بقلم مهدي قاسم

لو حاولنا أن نحسب و نعّد عمليات إطلاق نارية عشوائية

في ولايات أمريكية مختلفة ومتواصلة بين فترة وأخرى ، منذ إدارة أوباما و حتى الآن ، و كذلك عدد الضحايا المسالمين الذين سقطوا من جراء هذه العمليات الإجرامية ذات طابع هستيري معبأ بضغوطات من كراهية مزمنة ، لما استطعنا عّد ذلك بدقة كاملة ، بسبب كثرتها و تكرارها

المستمر، و أحيانا بين أسبوع و آخر . و من المؤسف أن هذه الموجة الإجرامية المتصاعدة ستستمر لسنوات طويلة على الأرجح ، فما من أحد يستطع بعد الآن كبح جماحها أو خنقها في مهدها ، لأنها أصبحت ” بالغة و ناضجة ” تماما منتشرة كطحالب في مستنقعات ، بعدما نمت و ترعرعت

، شيئا فشيئا ، في تربة خصبة لمجتمع يعشق العنف ويعتاش عليه متفاعلا ، منتشيا متفاخرا ، متحركا في وسطه الدموي الصاخب ليلا و نهارا ، من خلال آلاف من أفلام بوليسية مختلفة و مشوّقة و عمليات سطو و قتل و الإتجار بالمخدرات ، بتواز مع خلق أساطير ” رمبوية ” و سبورمانية

خارقة و مختلفة الوجوه و الكاريزما المحببة جدا إلى نفس الشخصية الأمريكية بشكل عام ، مع متاجرة بالأسلحة في كل ركن وزاوية من الشارع و البيت ، إلى مصانع اسلحة جبارة وفتاكة و سهولة الوصول إليها والحصول عليها بمجرد دفع ثمنها ،إذ هي الأخرى ضرب من ضروب التجارة المربحة

، حيث ما من أهمية لأي شيء آخر ما عدا القوة والمال والشهرة ، إضافة إلى تحقيق الذات بأية وسيلة كانت ، أو التنفيس عنها ، حتى ولو من خلال إطلاق النار على أناس مسالمين يتبضعون في المتاجر أو يدرسون في المدرسة أو يمضون إلى شأنهم على الأرصفة ليقعوا بين لحظة و أخرى

جثثا هامدة ..

فكل هذا قد خلق وكوّن نمطا من ” دواعش” أمريكيين ، أي القاتل

الجماعي ، بعضهم يحمل في قلبه الأصفر حقدا وبغضا وكراهية ذات طابع عنصري ضد الوافدين والمهاجرين والزنوج المستوطنين ، و بعضهم الآخر مستاء بسبب ” مظلومية ” يشعر بها شديدا ، ربما بسبب الأخفاق في الدراسة أو العمل أو الحب أو عدم تحقيق الذات و الأهداف و الثراء السريع

و المنتظر، و يحاول الانتقام من أجلها بهذه الوسيلة الجنونية ليتحول إلى قاتل جماعي ، و بعضهم الثالث قد لا يدري لماذا يقتل بكل هذا الهوس و الانتشاء السادي ، فكل ما يشعر به و بشكل لا يقاوم ، هو إطلاق الرصاص على أناس آمنين وقتل مزيد منهم على غير تشخيص أو تعيين

و بدون أي سبب واضح أو دافع مقنع بالنسبة له !..

غير إن ما هو الأسوأ من كل ذلك ، وأكثر إحراجا وورطة

للسلطات الأمنية هناك ، هو تعقيد و صعوبة الوقاية مسبقا ، ضد هذا ” الوباء الخفي و المتجّسد ب” الدواعش ” الأمريكيين ، الذين يقتلون من أجل القتل فقط ، و إن سبب الصعوبة يكمن في كونهم ليسوا عبارة عن منظمة سياسية أو طائفة دينية أو شيء من هذا القبيل ، لتجري عملية

رصدهم وتشخيصهم أو مراقبتهم عن كثب و من ثم إحباط عملياتهم الإجرامية قبل التنفيذ ، بقدر ما هم عبارة عن مخلوقات ” شبحية ” غير مرئية أو معروفة قطعا ، أو بالأحرى هم عبارة عن ذئاب منفردة تنطلق فجأة من قلب الظلام لتنهش كل من يصادفها في طريقها نهشا مسعورا وقاتلا،

ولا تُعرف هويتهم إلا في أثناء أو بعد تنفيذ المجزرة الجماعية ، أي بعد فوات الآوان عموما ، حيث لا يمكن بعد ذلك فعل أي شيء آخر ، ما عدا إطلاق عبارات تنديد وإدانة و أسف ، أو إبداء تعاطف مع الضحايا وأهاليهم المفجوعين ..