ليس من السهل ان تقود دولة أو تتحرك فيها بحرية ، بل وتنتزع فيها حقوقك من دون ثمن ومكابدة ، ولا يقوم بهذا ولا يتصدى له إلاَّ من كان يحمل رؤية ومشروعاً وثقة بالنفس وإيمانا مطلقاً ، وإذا كان زمن الثورة والثوار قد ولى فإن المعول عليه هو تلك القدرة في التغيير بوسائل حديثة يتقدمها الفهم والإدراك والعلم والوعي العام .

وفي منطقتنا العربية ثمة سلالات تؤمن بالتغيير النابع من الشعب ومن القادة السياسين ، وهي تؤمن بان ذلك يحتاج لموقف من نوع فريد ، وطبعاً حين نستثني ما سمي ( بالربيع العربي) من خارطة وعينا ، بإعتباره وصمة أساءت للعرب ومزقت أحلامهم وأمانيهم وجعلتهم كعصف مذموم تذروه الرياح الصفراء فجعلت منهم الإرهاب والتخلف .

نعم ما نعول عليه هو تلك القيادات الشابة التي فرضت نفسها عبر هذا الصراع الطبقي وقدمت نموذجاً نحترمه ونجله ، هذه القيادات ذهبت إلى حيث الداء فصارعته ، لأنه الشيء الذي يحد من حركة العربي ويساهم في تكسير عظامه وعقله ، هذه القيادات ساهمت بالشيء الكثير الذي نعلمه والذي لا نعلمه في عملية جبارة لقلع جذوز التخلف وما يعيق الحركة إلى الأمام ، وهذه واحدة تحسب لإرادة الشجعان في زمن النفاق .

وطبعاً يلزمنا المصارحة هنا حيث إننا في مواجهة مباشرة مع نفاق كهنة الدين ، ومن يتلحفون بأوزآر خطايات الأحزاب المتأسلمة ، والتي سببت مع مثيلاتها من التجمعات الرجعية الكثير من الضيم والضعة لشعوب المنطقة وفي أعين العالم .

وأُعيد القول ثانيةً لولا إيمان هذه القيادات بان المستقبل لن يرحم من يتغنى بأوثان التراث وما فيه من عفن ، لن يكون ممكناً التقدم أو حتى مُجارات القوم فيما هم ذاهبون إليه ، وإليك أن تنظر إلى خارطة العالم كيف تغيرت علمياً وذهنياً ، وحسبك هذا التفاوت بيننا وبينهم .

إذن كان لا بد من رجال يتحملون المسؤولية مع كثرة الضاجين والمثبطين

، رجال نعي انهم يريدون خيرا بالعباد والبلاد ، ولم تكن جدلية العدالة والحرية هي الشغل الأولي ولا بتعميم أيديولوجيا الرهان على أحقيات الزمن الجميل ، بل كانت المثابرة ان تنتصر الحرية وفي ظلها يسود الوئام والتساوي والمشاركة وتعميم ثقافة الإختيار ، التي هي جزء من كل ، شعرت بهذا حينما أعطي للمرأة هامش لا بأس به من الحرية في العمل والإختيار والمشاركة في القرار والتنمية ، وأحسست به حين تنادى القوم بالحلول الديمقراطية لمشكلاتنا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية ، وهذه لا يشعر بها إلاَّ من أنكوى بنار الظلم والقهر والحرمان والسجون .

إن تجربتي مع العقل العربي حافلة بموجات من الشد والجذب والمد والجزر ، لكن إيماني بأن العربي والشباب العربي طموح ويستحق أفضل ، لذلك كان هاجسي أن التغيير سيقوده شباب قادة من وسط هذا الحكم العربي ، وليس من خارجه وهكذا بدى لي واضحاً في بعض الدول التي نحت جانباً الإيديولوجيا ، وسمحت للعقل أن يعيش الحياة ويتمتع بالقدر اللازم من الحرية ، فسقطت أوراق التوت من الأراخنة ومتصيدي الناس في دهاليز الفكر العتيق ، وستنجح التجربة ولكن علينا الدعم والمساندة ، من غير النظر بالمخزون التاريخي وما يعتمل في الصدور ، ومبدئنا دائماً تلك الحكمة القائلة – أذهبوا فأنتم الطلقاء – ، والعفو عند المقدرة من شيم الناس الصالحين الذين ينظرون للمستقبل ، ولا يتكدسون في البحث التاريخي عن الأحقيات والمزاعم ، فكل ذلك من الماضي التعيس الذي خلف لنا أرثاً تعيساً مثله نعيش تداعياته يوماً بعد يوم ،

إنني أُحيي هذه الطفرات التي حولت الساحات إلى ما ينفع الناس وينال رضاهم وسعادتهم ، أُحيي تلك الإنتفاضة التي تميز حقاً بين ما هو صواب وماهو خطأ في الواقع وليس في التخيل والوهم ، وأظن إن الأيام ستكشف عن المزيد حين نجد دولاً قد تحولت ثم أصبحت المثل والقدوة ، وكذا هي الأيام بيننا فلننظر وتنظرون

راغب الركابي