محمد سيد رصاص
لا شك في أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو أهم سياسي تركي منذ مصطفى كمال أتاتورك، بل يمكن القول إنه مؤسس الجمهورية التركية الثانية بعد الجمهورية الأولى التي أسسها أتاتورك في عام 1923. والمفارقة هنا أن الأردوغانية ببرنامجها هي بشكل ما، محاولة لنزع الأتاتوركية وزيادة جرعة الأسلمة.
يمكن القول هنا إن ظروفاً داخلية أتاحت مجالاً لظهور أردوغان، تتمثل في أن العلمانية الأتاتوركية، التي أرادت نزع الإسلام كثقافة وهوية حضارية لتركيا مع حظر الإسلام السياسي، بان عدم إمكان استمرار سيادتها على الحياة العامة التركية بعد وفاة أتاتورك في عام 1938، إذ أن فوز “الحزب الديموقراطي” بقيادة عدنان مندريس في عام 1950 في الانتخابات البرلمانية، ثم فوزه مرتين متتاليتين بعد ذلك قبل أن يطيح به انقلاب عسكري قاده ضباط أتاتوركيون متطرفون في عام 1960، دل على أن الأتاتوركية لا يمكن أن تستمر من دون وسائل عنيفة، وأن الاتجاه الاسلامي، الممزوج بقومية تركية تختلف عن قومية الأتاتوركيين، يملك جذوراً اجتماعية قوية، قبل أن يدل فوز”حزب الرفاه” في المركز الأول في انتخابات برلمان عام 1995 على تنامي هذه الجذور، ثم ليأتي فوز “حزب العدالة والتنمية” بالغالبية البرلمانية في عام 2002 ليعطي صورة قوية عن بداية موت الأتاتوركية.
إضافة إلى ذلك، ثمة أسباب خارجية ساعدت في صعود أردوغان، من أهمها سد الغرب أبواب الاتحاد الأوروبي في وجه تركيا، ما مثل ضربة كبرى للأتراك الأتاتوركيين الذين اعتبروا تركيا أوروبية متغربة، وليست شرقية مسلمة، ثم لتأتي أجواء ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، لتساعد في تقديم أردوغان بوصفه نموذجاً أميركياً للعالم الاسلامي، بديلاً من نموذج أسامة بن لادن وضده، الشيء الذي لوحظ بدءاً من العام 2005 من خلال تقاربات بين واشنطن والتنظيم العالمي لجماعة “الإخوان المسلمين”، ترجمت في انتخابات مجلس الشعب المصري في عام 2005، عندما ضغطت واشنطن لمشاركة جماعة “الإخوان” في تلك الانتخابات، ثم في كسر التنظيم “الإخواني العراقي”، أي “الحزب الإسلامي” للمقاطعة السنية العربية للعملية السياسية العراقية من خلال المشاركة في وزارة نوري المالكي في عام 2006، قبل أن تصل الأردوغانية، كنموذج أميركي، إلى ذروتها من خلال رعاية إدارة باراك أوباما لوصول “الإخوان” إلى السلطة إثر “الربيع العربي” في تونس (2011) وفي مصر (2012)، ومشاركتهم في السلطة في ليبيا في عام 2011، وفي اليمن في عام 2012. وتحت رعاية واشنطن وأنقرة لعملية تصدر “الإخوان المسلمون” للمعارضة السورية في خريف العام 2011، من خلال تأسيس “المجلس الوطني السوري”، بالتزامن مع رعاية أميركية لتولي أردوغان ملف الأزمة السورية قبل أن تنزعه واشنطن منه وتقوم بتوليته إلى فلاديمير بوتين منذ اتفاق كيري- لافروف في السابع من أيار (مايو) 2013، ما ترافق مع التباعد الأميركي من “جماعة الإخوان المسلمين”.
من خلال هذه الصورة، يمكن دراسة أردوغان كنموذج سياسي، إذ من الواضح أنه عضو في منظومة أيديولوجية محددة لا تخفي امتداداتها العالمية هي “منظومة الاسلام السياسي الأصولية الإخوانية”، وهو متمترس أيديولوجياً في خندق محلي تجاه خندق الأتاتوركية، لا يمنع انتمائه الأيديولوجي من ظهور براغماتيته، التي ظهرت أبعادها في النزع التدريجي للأتاتوركية في الفترة الممتدة بين 2002 و2019 في المؤسسة العسكرية وفي مؤسسة القضاء ومؤسسة التعليم العالي. بانت هذه البراغماتية في تحالفه التكتيكي مع “حزب الحركة القومية” صاحب الاتجاه الطوراني المختلف عن الأتاتوركية في فترة تراجع “حزب العدالة والتنمية” عن حيازة الغالبية البرلمانية مع بقائه الحزب الأول من حيث القوة البرلمانية، وفي ظل تراجع شعبية أردوغان وحزبه في السنوات الثلاث الماضية.
تظهر براغماتية الرئيس التركي أيضاً في السياسة الخارجية، التي تتحدد أهدافها عند أردوغان من خلال مزيج يتضمن الاتجاه الاسلامي والنزعة القومية التركية ولكن على طريقة إسلامية تختلف عن الأتاتوركيين والطورانيين، وهو أدرك أن أهمية تركيا لدى أميركا تقلصت في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لذلك أراد أن يختط طريقاً مليئاً بالحفر، مستغلاً سد الغرب الأوروبي أبوابه أمام تركيا، التي يممت وجهها غرباً منذ أتاتورك، من خلال التوجه جنوباً وهو كان ضد نواب حزبه الذين صوتوا ضد إرادته، بالتحالف مع نواب “حزب الشعب الجمهوري” الأتاتوركي الاتجاه، في جلسة البرلمان التركي التي عقدت في الأول من آذار (مارس) 2003، لصالح قرار لا يتيح فتح جبهة شمالية أمام الجيش الأميركي المتأهب لغزو العراق. وكان رأي أردوغان حينها أن التعاون التركي – الأميركي في العراق، سيضعف الأكراد ويتيح لتركيا موطناً – مثل إيران المتحالفة في العراق مع واشنطن – في بلاد الرافدين التي ستكون المطبخ الأميركي للشرق الأوسط.
لهذا، ومن أجل مواجهة القوة الإيرانية المتنامية عبر بغداد (ما بعد التاسع من نيسانإبريل 2003)، بدأ أردوغان التقارب مع دمشق، التي اختلفت مع طهران تجاه العراق المغزو والمحتل، بدءاً من العام 2004، ووصل تحالفه معها إلى حدود دعم “القائمة العراقية” بزعامة إياد علاوي، بتشارك تركي – سوري – سعودي، من أجل هزيمة نوري المالكي المدعوم من الإيرانيين في انتخابات البرلمان العراقي في عام 2010.
وفي الفترة الممتدة بين الأعوام 2011 و2013، تجلّت براغماتية أردوغان الممزوجة مع أيديولوجيته، عندما ظهر كنموذج أميركي للعالم الإسلامي اقتنعت واشنطن وقتها بتعويم نظرائه الأيديولوجيين، من راشد الغنوشي إلى محمد بديع، ووضعهم في مركز السلطة كبديل لأنظمة حليفة لواشنطن تهاوت أمام اضطرابات اجتماعية.
في المقابل، استخدمت هذه البراغماتية الأردوغانية ضد واشنطن عندما ستدار أردوغان تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد وقت قليل من محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا في الخامس عشر من تموز (يوليو) 2016، والتي توجد مؤشرات كثيرة على أن القائمين بها كانوا مدعومين من الأميركيين. وقد قام أردوغان ببيع المعارضة المسلحة السورية للروس في حلب في عام 2016، وفي الغوطة في عام 2018. وهو يريد على ما يبدو أن يفعل ذلك في إدلب، مقابل أن يغض الروس بصرهم عن ضرب الأتراك للأكراد في شرق الفرات السوري، خصوصاً مع وجود مؤشرات على هشاشة الاتفاق الأميركي – التركي حول “المنطقة الآمنة”.
على رغم أيديولوجيته، بل وبالتمازج معها، يؤمن أردوغان بعبارة هنري كيسنجر: “في السياسة لا توجد صداقات وعداوات دائمة، بل توجد مصالح دائمة”.