
تستخدم امريكا هذه الثورة لتبديل الحكومات. وهي طريقة مدروسة ومنظمة مسبقا ًيجري تطبيقها وكأنها احتجاج تلقائي للشباب ثم تتطور الى فوضى تنتهي باسقاط السلطة القائمة، كما حدث في تونس ومصر اثناء تمثيلية الربيع العربي. وفي مناسبات اخرى تتطور الى تفتيت البلد في حرب اهلية و تدخّل عسكري، امريكي او اطلسي، كما حدث في يوغسلافيا واوكرانيا وسوريا . لقد تم وصف هذه الثورات بـ (( الملونة )) بالنظر لحمل المتظاهرين معظم الشعارات من لون واحد ، كالبرتقالي في حالة اوكرانيا. ( للتفاصيل راجع الاستاذ المتبحر عمر نجيب، رأي اليوم الغراء، 9/3/2021)
لضمان نجاحها تمتاز هذه الثورة بامتلاك زمام المبادرة لمباغتة النظام القائم ، والاستفادة من نقاط ضعفه كانتشار الفساد وتدهور الاقتصاد وقلة الحريات المدنية ، مع استخدام الدعاية المكثفة، خاصة التلفزة وقنوات التواصل الاجتماعي . وفي الوقت الذي تشترك الجماهير الغفيرة ، خاصة ً المحرومة منها،تبقى قيادة العملية بيد عملاء امريكا المدربين والمنزوين عادة في منظمات المجتمع المدني.
للتحضير للاحداث ولجلب انتباه العراقيين عرضت الحرة الامريكية، في حوالي 20/9/2019 ، تقريرا ً طويلا ً حول الفساد في وسط وجنوب العراق ركزت فيه على فساد رجال الدين والاحزاب في النجف . وفي 28/9/2019 نشر التلفزيون البريطاني مسلسلة ، حضّرها العراقي غيث التميمي، حول زواج المتعة لافساد سمعة شيعة العراق. استمرت المسلسلة لثلاثة ايام بعد بدء المظاهرات في 1/10/2019.
اشترك في هذه المظاهرات السلمية عدد هائل من الشباب العاطلين عن العمل والمحرومين من الرزق والماء والكهرباء وهم يطالبون بحقوقهم المشروعة. اشترك ايضا ً عدد ملحوظ من منتسبي منظمات المجتمع المدني، من الذين برزوا في العراق بعد الاحتلال الامريكي سنة 2003.
هكذا بدأت الثورة الملونة العراقية دون علم المتظاهرين الابرياء بوجود ايادي امريكية خفية تقودهم.
لعدم وجود قيادة منظمة مخلصة نابعة من الشعب المقهور قررت امريكا على اثارتهم بسهولة لاسقاط حكومة عادل عبد المهدي. المعروف عن عادل انه دخل العراق على الدبابات الامريكية واشترك في الحكومات الفاسدة كوزير وكنائب رئيس الجمهورية وقد تم ترشيحه كرئيس الوزارة من قبل برهم صالح المخلص للحكومة الامريكية. لكن عادل تغير قليلا ً و اضر بمصالح امريكا الاقتصادية والسياسية الحساسة. مثلا ً انه قام بزيارة الصين، بالرغم من تحذير وزير الخارجية الامريكي بومبيو له، واتفق معها على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية. انه حاول الحصول على سلاح الدفاع الجوي من روسيا، انه اعلن عن موقف العراق الرسمي ضد صفقة القرن الامريكي.. . هكذا اصبح عدوا ًمنبوذا ً عند امريكا التي قررت اسقاط حكومته.
لحيازة عادل على مباركة المرجعية في النجف، ولمنع دخول الاتفاقية مع الصين حيز التنفيذ، ادركت السفارة الامريكية في بغداد صعوبة اسقاطه بالطرق السلمية و ضرورة التحول بسرعة الى حرب مسلحة استشهد خلالها اكثر من 300 عراقي بريئ وجرح الالوف منهم دون اصابة امريكي واحد. التقطت عدسات التلفزيون شابة انيقة توزع الدولارات، بسخاء مفرط ،على سواق سيارات التوكتوك لنقل الجرحى الى المستشفيات. لكن الدليل الاهم لدور امريكا هو النداء التحريري الذي وصلني من العراق في 3 /10/ 2019 موجه (( الى ابناء الجاليات العراقية في العالم واينما كنتم.)) و يطالب بالنص: (( نرجو منكم الاتصال على ارقام الهواتف التالية وطلب مساعدة المتظاهرين السلميين في العراق، وهذه الارقام لأعضاء الكنغرس الامريكي مسؤولين عن ملف العراق: –
1 – السيد كيري بيترس عن ولاية ميشكن رقم الموبايل (……).
2 – السيد أندي الافين رقم الموبايل (…..).
نرجو من جميع الاخوة والاخوات المشاركة في الاتصال وطلب النجدة لمساعدة أهلنا في العراق.))
الشئ البارز جدا ًفي هذه المعارك الدموية كان اتهام المتظاهرين لقوات الأمن بإطلاق النار عليهم ونفي الأخيرة ذلك، والادعاء بعدم صدور اي امر حكومي بهذا الخصوص اطلاقا ً بل إن ((قناصة مجهولين اطلقوا الرصاص على المحتجين وأفراد الأمن لإحداث فتنة .))
بهذا الخصوص اكد الخبير الروسي في شؤون الارهاب نيكولاي ستاريكوف على تلفزيون روسيا اليوم يقول : (( لكي يكره الشعب حكومته يجب اراقة الدماء….و لزعزعة الاستقرار في العالم العربي الغني تستغل امريكا الاسباب الموضوعية لقيام المظاهرات لحث الشعب على كره الحكومة فتستخدم القناصات لقتل المتظاهرين وقتل عدد أخر من رجال الشرطة . فيتأزم الشعور الشعبي وتكبر الاحتجاجات المعادية للحكومة.)) وهذا ما حدث في العراق منذ اليوم الاول من المظاهرات .
كنتيجة حتمية لاستمرار القتال وتوقف معظم الاعمال الضرورية اصيب الاقتصاد الوطني بالانهيار فقررت الحكومة الجديدة سحب المبالغ القليلة الموجودة في المصارف الصينية فانهارت الاتفاقية الصينية عمليا ً. لكن الكاظمي اعترف علنا ً بخلو خزينة الدولة من المال واضطر اولا ً الى جمع الديون من الاهالي دون حل المشكلة الاقتصادية، فقرر تخفيض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار وكنتيجة مضرة متوقعة ارتفعت اسعار معظم البضاعات الضرورية للحياة وعم الفقر.
كنتيجة لكل هذه المشاكل طالب الشعب بجلاء الجيوش الامريكية التي حطمت البلاد. الا أن سيطرة الكاظمي على الحكم قوّت سطوة امريكا فقررت تقوية مركزها عسكريا ً، بدل الجلاء،عن طريق زيادة قوات حلف الاطلسي من 500 الى 4000 عسكري وذلك حسب تصريح Jens Stoltenberg ، السكرتير العام للحلف، في 18/3/2021 كما نشر في الغوغل.
وبدل سيادة السلام بمجيئ الكاظمي ، بعد ترقية حلييفه ،عبد السلام الساعدي، الى رئيس مكافحة الارهاب، توسعت عمليات داعش من جديد ،كما يشرح الدكتور محمد توفبق علاوي في رأي اليوم في 14/3/2921 ،عن مقتل سبعة شهداء من عائلة واحدة من ضمنهم امرأتان في محافظة صلاح الدين وتعددت الروايات وتبنت داعش المسؤولية؛ حيث سبقتها جريمة الفرحاتية ايضاً في صلاح الدين ويضيف:- (( للأسف تتوالى عمليات الايغال بقتل الابرياء … والنتيجة عشرات الشهداء وقتلة مجهولين وعشرات اللجان التحقيقية من دون نتائج او قرارات…وللأسف الدولة الرسمية في سبات عميق)
اذا ً هناك الضرورة الانية للتوقف عن تنفيذ الخطط الامريكية والتركيز بجدية على نبذ الخلافات القائمة بين الشعب لتوحيده ضد الاحتلال. وهذا لا يتم دون وجود منظمة وطنية كفوءة قادرة على مجابهة العدو الذي قتل اكثر من مليون دون سبب. فلنتحد لانقاذ عراقنا من الفساد والاضطهاد، والى الامام.