ناتو جديد.. ماهي فرص نجاح تحالف ’كواد’ الرباعي لتطويق الصين ’عسكرياً’؟

بغداد – ناس

ناقشت دراسة صدرت مؤخراً فرص نجاح أو فشل تحالف "كواد" الذي يستهدف بالدرجة الأساس مواجهة طموحات الصين التوسعية في منطقة المحيطين الهادي والهندي "إندوباسفيك".

https://t.me/nasnews_nas  

ويعود تأسيس التحالف إلى العام 2007، وذلك تأسيساً على تجربة مشتركة سابقة بين الدول الأربعة المطلة على المحيطين الهندي والهادي (الولايات المتحدة، استراليا، اليابان والهند) في مواجهة تداعيات موجات تسونامي عام اواخر العام 2004، وقد اندثرت أنباء التحالف طيلة السنين الماضية، قبل أن يعود إلى الواجهة مؤخراً مع تنامي الصراع الأميركي الصيني.

وتناقش الدراسة التي أعدها معهد “epc” وينشرها "ناس" (4 تشرين الثاني 2021) تباين وجهات النظر بين الدول الأعضاء حول شكل وطبيعة هذا التحالف، حيث تسعى الولايات المتحدة –وتساندها استراليا- لتحويله إلى "ناتو جديد" ودفع مهامه نحو الجانب الأمني والعسكري، بينما تُظهر الهند تحفظاً.

ويواجه الحلف وفقاً للدراسة عدة معوّقات، من بينها:

 - خشية دول آسيان (اندونيسيا، ماليزيا، الفلبين، سنغافورة، تايلند، بروناي، فيتنام، لاوس، بورما وكمبوديا) من الإنضمام أو التفاعل مع "كواد" بسبب التهديدات الصينية الصريحة لتلك الدول.

- إصرار دول "كواد"، وفي مقدمتها اليابان، على تعزيز الديمقراطية بينما لا تتبنى العديد من دول "إندوباسفيك" الديمقراطية.

- رفض الهند المضي قدماً في إعلان "كواد" تحالفاً عسكرياً أو أمنياً لما قد يشكله ذلك من استفزاز للصين، التي قد تبادر إلى دعم باكستان وتمكينها من السيطرة على إقليم "كشمير" المتنازع عليه بين الهند وباكستان.

- إزاء الموقف المتحفظ من الهند واليابان إلى حدٍ ما، تُظهر استراليا ميلاً اكبر إلى مغادرة سياسة الحذر تجاه استعداء الصين، وهو ما تمثل في انضمام استراليا إلى تحالف "أوكوس" الذي أصبح يضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واستراليا، الأمر الذي يجعل انقسام الرؤى واضحاً بين اليابان والهند من جهة، والولايات المتحدة واستراليا من جهة أخرى.

نص الدراسة:

تعود فكرة "الحوار الأمني الرباعي" (كواد) The Quadrilateral Security Dialogue (QUAD) إلى خبرة التنسيق التي تطورت بين الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا لمواجهة تبعات تسونامي المحيط الهندي في ديسمبر 2004؛ فقد شكلت الدول الأربع آنذاك ما عُرف بـ “مجموعة تسونامي" Tsunami Core Group التي اضطلعت بتنسيق جهود الإغاثة في الدول المتضررة خلال عامي 2004-2005. وقد جُمِّدَت المجموعة عقب انتهاء تحدي تسونامي، ثم استؤنفت المناقشات بين الدول الأربع في نهاية عام 2006 حول إمكانية استمرار الفكرة. إلا أن الفكرة سرعان ما تراجعت تحت تأثير الهجوم الصيني المبكر عليها، وما تبع ذلك من تردُّد أستراليا والهند في المضي قدماً فيها. ويُنسب لأستراليا تحديداً المسئولية الأكبر عن انهيار الفكرة آنذاك.[1]

الدوافع الرئيسة وراء إحياء "كواد"

هناك تطورات عدة شهدتها منطقتا المحيط الهادئ والهندي لعبت دوراً في إحياء مشروع "الحوار الأمني الرباعي"؛ يتركز أهمها في بدء تبلور تداعيات الصعود العسكري الصيني في المنطقة، وما انطوى عليه من  تهديد الأمن وحرية الملاحة فيها، من ذلك إعلان الصين منطقة دفاع جوي في بحر الصين الشرقي في 2013، وتوسُّع الصين في بناء الجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي والتهديد بإعلان منطقة دفاع جوي بالمنطقة، وتصاعُد النزاع الحدودي مع الهند، وتطور العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع باكستان، وتمدُّد النفوذ الصيني في منطقة جنوب الباسيفيك، وحصول الصين على امتيازات داخل عدد من الموانئ البحرية بشكل عمَّق مخاوف الدول الأربع حول إمكانية تحويل هذه الامتيازات التجارية إلى امتيازات عسكرية.

دفعت تلك التطورات بالدول الأربع إلى إعادة حساباتها مرة أخرى تجاه المنطقة وتجاه الصين. ويمكن القول إن الدافع الرئيس الذي وقف وراء إعادة طرح القوى الأربع لفكرة الحوار الأمني الرباعي (المرحلة الثانية) هو العمل على حماية النظام متعدد الأطراف في "الإندو-باسيفيك"، والحيلولة دون هيمنة الصين على المنطقة، من ناحية، وحماية مبدأي حرية الملاحة وحرية التجارة كمبدأين متلازمين، من ناحية أخرى. ووفقاً لتوجهات القوى الأربع، هناك ارتباط كبير بين الهدفين بسبب وجود إدراك بأن هيمنة الصين على "الإندو-باسيفيك" سيقود إلى تقويض مبدأ حرية الملاحة، ما سيؤدي بالضرورة إلى الإضرار بمبدأ حرية التجارة بالنظر إلى اعتماد الأخيرة على حرية الملاحة في "الإندو-باسيفيك" بشكل كبير. ولذلك يُلاحظ أن السمة المشتركة بين الاستراتيجيات والوثائق المعلنة من جانب الدول الأربع بشأن "الإندو-باسيفيك" هو تأكيدها على هذين المبدأين، وسعيها إلى الحفاظ على "النظام المستند إلى القواعد" rules-based order. ويرتبط بذلك، مصلحة أساسية هي عدم استخدام القوة لتسوية أي من النزاعات الحدودية البحرية في المنطقة. وينسحب ذلك على النزاع الحدودي بين الصين واليابان في بحر الصين الشرقي حول جزر سينكاكو (دياويو وفقاً للتسمية الصينية)، والنزاع في بحر الصين الجنوبي بين الصين ومعظم دول جنوب شرقي آسيا، فضلاً عن مشكلة تايوان.

في هذا السياق، يُعد الحوار الأمني الرباعي إحدى أدوات ضمان ردع الصين ضد الهيمنة على "الإندو-باسيفيك"، أو احتمال لجوئها إلى القوة العسكرية لتسوية أي من هذه النزاعات.

وتجدر الإشارة هنا أن دول "كواد" تنظر إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية على أنها ليست أداة لتنمية البنية التحتية في المنطقة بأقاليمها الفرعية، بقدر كونها آلية أساسية لفرض الهيمنة الصينية على المنطقة، وتقويض النظام الاقتصادي الحُر، على خلفية الدور المتزايد للشركات الصينية المملوكة للدولة والتي تعمل وفق قواعد تضر بآليات السوق والمنافسة الاقتصادية على مستوى الاقتصاد العالمي أو داخل الاقتصادات الوطنية، وربما تقويض حرية الملاحة على خلفية النفوذ الصيني المتزايد في الموانئ البحرية المرتبطة بالإندو-باسيفيك. ويفسر ذلك تركيز "كواد" على تنمية البنية التحتية في "الإندو-باسفيك" عالية المستوى، في محاولة لتقليل الميزات التنافسية لمشروعات الحزام والطريق الصينية؛ حيث قدمت "كواد" خلال الفترة من 2015 إلى 2021 تمويلاً رسمياً بلغ أكثر من 48 مليار دولار لتنمية البنية التحتية في المنطقة.[2]

بالإضافة إلى هذا الهدف الرئيس المشترك، هناك مجموعة من الأهداف الفردية؛ فاليابان من ناحيتها، تسعى إلى تعويض القيود التي لازالت تفرضها المادة التاسعة من الدستور الخاصة بتعزيز القدرات والجاهزية العسكرية اليابانية[3]، لكن هذه الجهود لا زالت غير كافية، ما دفعها إلى تعويض بعض أوجه هذا القصور من خلال الاعتماد على الحوار الأمني الرباعي، كإطار جماعي يستند إلى توافق حول التهديد الصيني.

والهند هي الأخرى باتت تواجه تهديداً صينياً على خلفية تصاعُد الأهمية النسبية للنزاع الحدودي بين البلدين، والذي شهد صعوداً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى تنامي النفوذ الصيني في منطقة المحيط الهندي التي مثلت تاريخياً مجالاً للنفوذ الهندي.

التحديات التي تواجه الحوار الأمني الرباعي

رغم النقلات المهمة التي حققها "كواد"، خاصة انتقاله من الانعقاد على مستوى الخبراء وكبار المسئولين إلى المستوى الوزاري، ثم مستوى القمة، لكنه لا يزال يواجه قائمة من التحديات الضخمة، أبرزها:

1 - التبايُن حول طريقة إدارة التهديد الصيني

هناك توافق كبير بين أعضاء "كواد" حول ما تمثله الصين من تهديد محتمل لحرية الملاحة في المنطقة، وما تمثله من تهديد مباشر للأمن القومي لبعض دول "كواد"، لكن هذا التوافق لا يمتد إلى طريقة إدارة مواجهة التهديد وحدود التصعيد ضد الصين، بل وطبيعة السياسات التي يمكن اتخاذها في هذا المجال أخذاً في الاعتبار رد الفعل الصيني.

فالولايات المتحدة من جانبها تتبنى هدفاً طموحاً هو تحويل "كواد" إلى تحالف أمني، أو "ناتو آسيوي". وقد عبَّرت عن هذا التوجه أكثر من مرة.[4] لكن هذا التوجه لا يزال يلقى معارضة من جانب بعض دول "كواد"، وعلى رأسها الهند، التي تمثل -رغم علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة ومشكلاتها العديدة مع الصين-نقطة الضعف الأساسية الراهنة في درجة تماسُك "كواد". صحيح إن الصين تمثل تهديداً مباشراً للهند على خلفية النزاع الحدودي بين الجانبين، وتزايد النفوذ الصيني في المحيط الهندي وأهم مظاهره دخول غواصات نووية صينية المحيط الهندي بدءاً من عام 2014، ونفاذها إلى الموانئ البحرية في سريلانكا وباكستان، وإنشاء أول قاعدة صينية على السواحل الغربية للمحيط الهندي في جيبوتي في أغسطس 2017، فضلاً عن تقديرات أمريكية بقرب افتتاح قاعدة عسكرية صينية أخرى في باكستان، لكن رغم كل ذلك يظل هناك "حذر وتحفُّظ" هندي على أي تصعيد أو إدارة عسكرية للتهديد الصيني في "الإندو-باسيفيك".

ويرجع هذا الحذر الهندي إلى حسابات عدة، أولها أنه رغم التطور الكبير الذي حققته الهند في مجال تطوير قدراتها العسكرية، لكن موازين القوى تظل في مصلحة الصين. ومن ثمّ، فإن أي مواجهة عسكرية محتملة لن تكون في مصلحة الهند. ثانيها، امتلاك الصين لأوراق عدة أخرى في إدارة الصراع، أهمها الدعم الصيني العسكري لباكستان، والذي يمكن أن يصل إلى حد دعم الأخيرة للسيطرة على إقليم كشمير المتنازع عليه، أو العودة إلى نمط الحرب بالوكالة، ما قد يؤدي في النهاية إلى انتهاء حالة "الردع النووي" القائمة بين الهند وباكستان، وهو سيناريو حرص الطرفان على تجنبه منذ تحولهما إلى قوى نووية. وتزداد أهمية هذا الاعتبار عقب التطورات الأخيرة في أفغانستان وسيطرة طالبان على كابول في منتصف أغسطس 2021، وما تبع ذلك من نفوذ كبير لباكستان، ونفوذ قد لا يقل أهمية للصين داخل أفغانستان. ثالثها، يتعلق بالمنهج الهندي في إدارة علاقاتها الخارجية بشكل عام، وإزاء "كواد" بشكل خاص؛ بالإشارة إلى أحد الثوابت المهمة في السياسة الخارجية الهندية منذ انتهاء الحرب الباردة وهو الحفاظ على حالة التنوع وإدارة العلاقات مع متناقضين؛ فرغم مصالح الهند وراء الانضمام إلى "كواد"، لكن هذا لا ينفي في الوقت ذاته حرصها على ضمان استقلالية قرارها الاستراتيجي، بما في ذلك داخل "كواد".[5]

بجانب ذلك، تؤمن الهند بضرورة اتباع سياسة التدرج ومنهج الخطوة خطوة. وقد تطور هذا المنهج على خلفية عوامل عدة، أهمها خطورة الوثوق بالأطراف الأخرى، سواء أستراليا التي لعبت الدور الأكبر في إجهاض التجربة الأولى لـ “كواد"، أو الولايات المتحدة التي لم تعد الحليف الذي يمكن الموثوق به، خاصة بعد اتجاه ترامب إلى تحميل الحلفاء المزيد من الأعباء المالية، ثم القرار الأمريكي بالانسحاب الكامل من أفغانستان، الأمر الذي أضر في المجمل بإمكانية الاعتماد على الحليف الأمريكي.

هذه العوامل جميعها دفعت الهند إلى عدم التسرع والانسياق وراء التصور الأمريكي بتحويل "كواد" إلى تحالف أمني. وليس من المتوقع تغيُر هذه الحسابات الهندية على المدى القريب.

2 - التزام دول الآسيان حالة الحياد

بالإضافة إلى التباينات داخل "كواد"، هناك تحدي آخر لا يقل أهمية يأتي من خارج "كواد" يتمثل في موقف الآسيان، وهو موقف لا يزال يتسم بالحذر الشديد من الانجرار وراء أية سياسات عدائية ضد الصين. فضلاً عن أن موقف رابطة "آسيان" من "كواد" لا يزال محكوماً بموقفها "الحذر" من "الإندو-باسيفيك" كمفهوم وكمسرح دولي رئيس للتعامل مع التهديد الصيني؛ إذ لا تزال "آسيان" متمسكة بمبدأ عدم تحويل منطقة جنوب شرقي آسيا إلى ساحة للصراع بين الولايات المتحدة والصين.

وقد انعكس هذا التوجه من جانب الآسيان في تفاعلها الحذر مع الاستراتيجيات المعلنة من جانب الدول الأربع تجاه "الإندو-باسيفيك"، في الوثيقة التي أصدرتها "آسيان" في يونيو 2019 "رؤية آسيان حول الإندو-باسيفيك"، فقد أكدت الوثيقة مجموعة من المبادئ المهمة ذات الدلالة بالنسبة لموقف "آسيان" من أية تحالفات في "الإندو-باسيفيك"، أهمها "مركزية آسيان"، والذي يُقصد به اضطلاعها بالدور "القائد" في تشكيل الأبنية الاقتصادية والأمنية في المنطقة، وأهمية الحفاظ على "هيكل إقليمي جامع"، والحفاظ على دورها في تطوير أبنية إقليمية في جنوب شرقي آسيا وفي الأقاليم المجاورة، وضرورة الالتزام بقواعد الانفتاح والشفافية واحتواء الجميع وعدم الاستبعاد، و"إطار العمل المستند إلى القواعد"، والحكم الرشيد، واحترام مبادئ السيادة وعدم التدخل، والتكامل مع أطر التعاون القائمة، والمساواة والاحترام المتبادل، والثقة والمنفعة المتبادلة، واحترام القانون الدولي، واحترام ميثاق ومعاهدات الآسيان وإعلان "مبادئ قمة شرق آسيا لعلاقات المنفعة المتبادلة" الصادر في 2011، والالتزام بمقاصد ومبادئ معاهدة "الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا"، كركيزة لتعزيز الصداقة والتعاون في "الإندو-باسيفيك"، وتجنُب "المباريات الصفرية" في المنطقة، وعدم إنشاء أُطر جديدة أو استبدال الأطر القائمة؛ والتعامل مع منطقتي آسيا-المحيط الهادئ والمحيط الهندي باعتبارهما إقليماً واحداً متكاملاً وليس إقليمين متجاورين، واعتبارها منطقة للحوار والتعاون والتنمية والازدهار وليست ساحة للتنافس والصراع.[6]

وبالإضافة إلى الموقف الجماعي لآسيان، فقد عبَّرت العديد من دول جنوب شرق، وجنوب آسيا عن موقفها الرافض أو المتحفظ من "كواد" وفكرة تشكيل أحلاف في المنطقة. من ذلك على سبيل المثال إعلان وزير خارجية سريلانكا في أكتوبر 2020 مخاوف بلاده من صعود "كواد" كتحالف عسكري، ومن عسكرة منطقة "الإندو-باسيفيك" بشكل عام. وشكَّك وزير خارجية سريلانكا فيما إذا كان "كواد" يخدم بالفعل الأمن الإقليمي![7]

وقد نجحت الصين في تعميق وتوسيع حالة التردد والحذر لدى عدد كبير من دول المنطقة في الالتحاق بـ “كواد"، من خلال التأكيد على موقفها الرافض لـ “كواد"[8]، بجانب إرسال بعض الرسائل/ التهديدات الصريحة لدول "الإندو-باسيفيك" من خطورة الانضمام إلى "كواد".[9]

خلاصة القول إنه بالإضافة إلى التباينات داخل "كواد"، فإن الأخير يواجه تحدياً آخر من داخل المحيط الإقليمي، سيحوُل بالتأكيد دون دعم دول المنطقة لـ “كواد" أو تحوُّل الأخير إلى نواة لبناء كتلة إقليمية معادية للصين.

3 - تكريس الانقسام بين نُظُم ديمقراطية وأخرى غير ديمقراطية

في سياق سعي دول "كواد" إلى التأكيد على الهوية المشتركة وعمق الروابط القائمة فيما بينها، حرصت استراتيجيات بعض الدول الأعضاء على تأكيد الطابع الديمقراطي لحكومات "كواد". وقد أخذت بعض هذه الاستراتيجيات المعلنة مدىً أبعد عندما وضعت نشر الديمقراطية وسيادة القانون ضمن أهداف الحوار. والمثال الأبرز هنا هو حالة اليابان.[10] حيث أفردت وثيقة Diplomatic Bluebook لسنة 2017، الصادرة عن وزارة الخارجية اليابانية، قسماً لعرض الاستراتيجية اليابانية تجاه "الإندو-باسيفيك"، أشارت إلى أن الديمقراطية وحكم القانون واقتصاد السوق كانت كلها عوامل أساسية في النمو الاقتصادي في آسيا[11]، في تجاهل واضح لنجاح العديد من الاقتصادات الآسيوية في تحقيق النمو والتنمية الاقتصادية بدون وجود أنظمة ديمقراطية بالضرورة.

ويستند تركيز اليابان على هدف تعزيز الديمقراطية في المنطقة إلى رؤية تقوم على أن الأنظمة الديمقراطية هي الأنظمة الأكثر توافقاً مع أهداف بناء نظام متعدد الأطراف "يستند إلى القواعد"، وأنها هي الأكثر توافقاً مع مبدأي حرية الملاحة وحرية التجارة. ويتعزز هذا الهدف في ضوء العلاقة القوية بين الصين والأنظمة غير الديمقراطية في المنطقة، خاصة باكستان وسريلانكا وميانمار والمالديف وكمبوديا. بمعنى آخر، فإن "كواد" يمثل -في أحد أبعاده- جزءاً من صراع بين مجموعة من الحكومات الديمقراطية، تمثلها دول "كواد"، وأخرى غير ديمقراطية تمثلها الصين.

لكن في مرحلة تالية، أدركت اليابان مخاطر استخدام مفاهيم "الحقوق الأساسية" و"الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، فقامت باستبعاد هذه التعبيرات من الوثيقة الصادرة عن الحكومة في نوفمبر2019 المعنونة "نحو إندو-باسيفيك حرة ومفتوحة"، حيث اكتفت بالتأكيد على "حكم القانون" و"حرية الملاحة" و"حرية التجارة"[12]، تجنُّباً لإثارة الأنظمة غير الديمقراطية في المنطقة. وتأكد هذا التحول في وثيقة Diplomatic Bluebook لسنة 2019.[13]

ورغم تدارُك اليابان لخطورة هذا التوجُه، فإن هذا لا ينفي الطابع التمييزي بين دول "كواد" وباقي دول "الإندو-باسيفيك"؛ وهو أحد الخطوط الأساسية التي لا يمكن تجاهلها في تمييز دول الحوار عن معظم دول "الإندو-باسيفيك"، وهو تمييز لن يغيب عن دول المنطقة في إدراكها لطبيعة وهوية "كواد". ما يعكس عدم قدرة "كواد" على ضم أي من دول المنطقة إليه، خاصة دول الآسيان.

4 - ظهور تحالفات بديلة: تحالف "أوكوس" UKAUS

إزاء التباين القائم بين دول "كواد"، وعدم قدرتها على تحويله إلى "تحالف أمني" أو "ناتو آسيوي"، وفقاً للطموح الأمريكي، اتجهت الولايات المتحدة إلى تعزيز علاقاتها الدفاعية مع أستراليا والمملكة المتحدة من خلال الإعلان في 15 سبتمبر 2021 عن تحالف "أوكوس" UKAUS، الذي يضم الدول الثلاث.[14] تزامناً مع إعلان أستراليا إلغاء صفقة الغواصات التقليدية الموقعة مع مجموعة "نافال جروب" الفرنسية للصناعات الدفاعية في 2016، والتي تضمَّنت شراء 12 غواصة تعمل بالوقود التقليدي، والتحوُّل إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لبناء غواصات تعمل بالوقود النووي. ويتجاوز هذا التحالف مجرد مساعدة أستراليا على بناء هذه الغواصات المتقدمة؛ إذ تضمن الاتفاق مجالات أخرى للتعاون الثلاثي شملت الذكاء الاصطناعي والحوسبة والصواريخ الفرط صوتية والأسلحة السيبرانية، والحرب في أعماق البحر.

هذه الخطوة الأسترالية مثلت تحولاً نوعياً في موقف أستراليا من الصين و"الإندو-باسيفيك"، ودشَّنت تخلي أستراليا عن سياسة "الحذر" تجاه استعداء الصين، واستعداد أكبر للاندماج في المنظومة الأمريكية لاحتواء/مواجهة الصين، ما يكرِس في الوقت نفسه الانقسام داخل "كواد" بين الولايات المتحدة وأستراليا من ناحية، والهند واليابان من ناحية أخرى.

هناك عوامل عديدة تفسر هذا التحوُّل الكبير في موقف أستراليا؛ فرغم أن الصين لا تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأسترالي على خلفية عدم وجود نزاع حدودي مباشر بين الجانبين، لكن الصين تمثل تهديداً قوياً للنفوذ التقليدي لأستراليا في منطقة جنوب الباسيفيك، بما في ذلك إمكانية حصول الصين على قواعد عسكرية بالمنطقة، خاصة في ظل تزايد حجم الديون الصينية على عدد من الدول الجُزر في جنوب الباسيفيك. وقد اتخذت أستراليا خلال العامين الأخيرين (2020-2021) العديد من الإجراءات لمواجهة النفوذ الصيني، أدت بدورها إلى مزيد من تدهور العلاقات الأسترالية-الصينية.[15]

في هذا السياق، لم تمانع أستراليا من تعزيز التعاون العسكري داخل "كواد"، لكنه -على ما يبدو-كان بديلاً صعباً في ضوء السياسة الحذرة للهند في التعامل مع "التهديد" الصيني". وعلى الرغم مما يمثله تحالف "أوكوس" الناشئ من دعم كبير لشبكة التحالفات الأمريكية في "الإندو-باسيفيك" ضد الصين، لكنه ينطوي أيضاً على عدد من المشكلات فيما يتعلق بـ “كواد"، في أكثر من اتجاه:

من ناحية، فإن تحالف "أوكوس" يمثل تعبيراً عن وجود سقف لقدرة الولايات المتحدة على بناء شبكة تحالفات أمنية واسعة وفاعلة في مواجهة الصين؛ إذ يعبر "أوكوس" بشكل واضح عن عدم قدرة واشنطن على ترقية "كواد" إلى تحالف أمني حقيقي في مواجهة الصين، وذلك على خلفية الموقف الحذر من جانب بعض أعضاء "كواد"، وعدم استعدادهم للانجرار وراء سياسة التصعيد الأمريكي ضد الصين.

من ناحية ثانية، فقد دشَّن "أوكوس" لخلافات أوسع داخل "الإندو-باسيفيك"؛ فرغم أن هذا التحالف تضمن دوراً أكبر للمملكة المتحدة بالمنطقة، وهي دولة من خارج "الإندو-باسيفيك"، لكنه أسس في الوقت ذاته لخلاف أوسع بين دول "الإندو-باسيفيك"؛ الولايات المتحدة وأستراليا من ناحية، وفرنسا من ناحية أخرى (تُعد فرنسا من بين دول "الإندو-باسيفيك" استناداً إلى امتلاكها العديد من الجزر في المنطقة، فضلاً عن وجودها العسكري المباشر أيضاً)، ما يمكن أن يمثل رسالة أمريكية- بريطانية- أسترالية مشتركة بأن التكنولوجيات العسكرية الفرنسية "غير مؤهلة" -أو غير مرغوبة- لتكون جزءاً من منظومة احتواء الصين في "الإندو-باسيفيك"[16]، وهي رسالة ضمنية لإقصائها من مسرح "الإندو-باسيفيك" رغم الوجود العسكري الفرنسي في المنطقة ورغم أنها جغرافياً إحدى دول هذا المسرح.

من ناحية ثالثة، فإن "أوكوس"، وفي حالة استمرار الخلافات الفرنسية- الأمريكية- البريطانية، فإنه سينال بالتأكيد من قدرة الولايات المتحدة على بناء تحالف دولي ضد الصين داخل أوروبا؛ فرغم وجود تيار داخل الاتحاد الأوروبي، قادته فرنسا وألمانيا وهولندا، دافع بقوة عن أهمية تخلي الاتحاد عن مفهوم "آسيا-المحيط الهادئ" وتبني مفهوم "الإندو-باسيفيك" بشكل رسمي، وطرح استراتيجية رسمية بشأن المنطقة[17]، لكن التطورات الأخيرة قد تدفع بهذا التيار إلى الحذر في الاندفاع السريع وراء سياسة التصعيد الأمريكية- الأسترالية ضد الصين.

وهكذا، يمكن القول إن "أوكوس" يمكن أن يكون بديلاً لمشروع تحالف "كواد" في ظل استمرار الموقف الهندي المتحفِّظ على ترقية "كواد" إلى تحالف أمني.

خلاصة واستنتاجات

إزاء هذا التباين القائم داخل "كواد"، وحدود قدرة الولايات المتحدة على تحويله إلى تحالف أمني، فإن السيناريو الأغلب هو بقاء "كواد" إطاراً للتنسيق والحوار بين الدول الأربع دون تحولِه إلى تحالف أمني بالمعنى الدقيق، بما في ذلك الحوار وتنسيق السياسات في مجالات غير دفاعية. ومن ثمّ، فإن الوظائف الأساسية للحوار الأمني الرباعي قد تنحصر فيما يلي:

التنسيق الأمني والعسكري بين الدول الأربع، بما في ذلك إجراء التدريبات العسكرية المشتركة في "الإندو-باسيفيك".

تعميق التعاون والتنسيق بين الدول الأربع في عدد من المجالات غير العسكرية المباشرة بهدف محاصرة النفوذ الصيني، بما في ذلك مجالات مثل الصحة، على نحو ما شهدته اجتماع "كواد" في مارس 2020 عندما تم مناقشة جائحة "كوفيد-19"، في حضور كل من نيوزيلندا وكوريا الجنوبية وفيتنام، في إطار ما عُرف آنذاك بـ "كواد بلس". وما شهدته أيضاً قمة سبتمبر 2021 من تشكيل مجموعات عمل متخصصة في مجالات عدة.

رفع تكلفة السياسات الصينية في "الإندو-باسيفيك"، خاصة مشروعات الحزام والطريق، سواء من خلال العمل على توفير مشروعات بديلة أمام دول المنطقة، أو إجبار الصين على رفع معايير تنفيذ هذه المشروعات من خلال كثافة الانتقادات الموجهة إليها من جانب "كواد"، الأمر الذي يزيد من التكلفة الصينية لتنفيذ هذه المشروعات، خاصة في ظل محدودية قدرة "كواد" على مواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية. من ذلك على سبيل المثال إعلان اليابان والولايات المتحدة وأستراليا في فبراير 2018 "الشراكة الثلاثية لاستثمارات البنية التحتية في "الإندو-باسيفيك"، وإعلان اليابان "الشراكة من أجل بنية تحتية عالية الجودة" بتمويل قدره 200 بليون دولار في أفريقيا وآسيا خلال الفترة (2015-2020).