img src="https://www.independentarabia.com/sites/default/files/styles/thumbnail/public/article/mainimage/2025/06/29/1110674-470449363.png" loading="lazy" style="width:100%; height:auto; display:block;"
figcaption style="display:block; background:#f9f9f9; color:#777; font-size:12px; padding:8px; text-align:center; border-top:1px solid #eee; font-family:inherit;"
i class="fas fa-camera"/i صورة مرفقة
/figcaption
/figure">![]()
"الأميرة الهائمة: المغامرات العظيمة للأميرة غولبدن" محاولة لتصحيح صورة شائعة (اندبندنت عربية)
ولعل من ضمن جهود تصحيح هذه الصورة المختزلة كتاب صدر حديثاً بعنوان "الأميرة الهائمة: المغامرات العظيمة للأميرة غولبدن" للباحثة روبي لال عن مطبعة جامعة "يال" الأميركية، وينقل لاري ماثيوز في استعراضه الوجيز للكتاب في "واشنطن اندبندنت" عن روبي قولها إن غولبدن، ويعني الاسم حرفياً الجسد الوردي أو البدن الوردي، كانت "الابنة الحبيبة لبابر إمبراطور المغول في الهند، والمؤرخة الوحيدة في الإمبراطورية، وعاشت في عالم تسمه الحروب والترحال والأحداث المفضية إلى الحروب"، فتلك هي خلفية حياة الأميرة غولبدن.
وعلى رغم أن غولبدن ليست نكرة في التاريخ، ولها صفحة مطولة في "ويكيبديا" وسيرة بقلم رومر غودين، فهي أقل شهرة من أبيها بابر وأخيها غير الشقيق هوميان وابن أخيها أكبر، ومن نورجهان التي تناولها كتاب سابق لروبي لال، غير أن غولبدن تنفرد وسط نساء تلك الحقبة بأنها الوحيدة التي ألفت كتاباً هو "الأحوال في زمن هوميان بادشاه"، والمعروف باسم "هوميان نامة"، وهو للأسف ليس سيرة ذاتية.
ساكنات الجدران
تكتب روبي لال أن كتاب غولبدن "ينفرد أيضاً بأنه العمل النثري الوحيد المكتوب بقلم امرأة في بلاطات المسلمين، سواء البلاط العثماني التركي أو الصفوي الإيراني أو المغولي الهندي، فمن كتبن من النساء في هذه القصور كتبن الشعر في الغالب، وليس بمدهش أن الكتاب يعرض معلومات لولاه لانمحت من السجلات المغولية الرسمية".
ولروبي لال نفسها تاريخ مع غولبدن، إذ كان كتابها "هوميان نامة" مصدر أطروحتها لنيل الدكتوراه، وتكتب لال "لقد أوحى لي عملها هذا بكتابي الأول، وهو تاريخ نسوي يبرز السياسات العميقة الجذور في تكوين الحريم المغولي ذي الجدران الحجرية، والذي شاركت ساكناته في النهوض بالإمبراطورية العظيمة".
وكتبت هيلين فايفر ["لندن رفيو أوف بوكس" 26 يونيو (حزيران) 2025] أن الحريم خلافاً لخيالات الاستشراق كان في الغالب "موقعاً عادياً للعمل المنزلي، لكن ما استولى على اهتمام الأوربيين الغربيين تمثل في الجواري والأعراف الاجتماعية المفروضة على النساء المرموقات بألا يظهرن في العلن، وقد قارن بعض الرحالة الباكرين بين الحريم والدير، بوصفهما فضاءين محكمي النظام وقائمين على التراتبية وخاضعين لسيطرة النساء، لكن بحلول القرن الـ 19 بات الغربيون يميلون إلى رؤية الحريم سجناً أو قصراً فاسداً للجنس، بل كان بعض الباحثين حتى أوائل تسعينيات القرن الماضي لا يزالون يتخيلون الحريم الملكي للمغول أو العثمانيين باعتباره مكاناً للمتعة الجنسية، غير أن مجموعة من المؤرخين منذ ذلك الحين، ومعظمهم نساء، قلبوا هذه الافتراضات رأساً على عقب وأظهروا أن أماكن الحريم السلطانية كانت فعلياً مؤسسات منظمة تدار فيها العلاقات الجنسية، وهي مسألة تتعلق ببقاء الدولة في نهاية المطاف بعناية وحذر، وكان الحريم، بالنسبة إلى ذوات الامتياز من ساكناته في الأقل، مقراً للعمل السياسي والدبلوماسي في أرفع مستوياته.
ولقد وجهت روبي لال التي تصف نفسها بالمؤرخة النسوية، اهتمامها بحسب ما تكتب فايفر، إلى إلقاء الضوء على حياة نساء المغول ومن ذلك كتابها الأخير عن غولبدن بيغوم، وفي حياة تلك الأميرة ارتقى المغول من الكفاح من أجل الحصول على موطئ قدم في جنوب آسيا إلى أن أصبحوا حكاماً لإحدى أضخم وأغنى امبراطوريات العالم.
"ولدت غولبدن في كابول عام 1523 قبل أعوام قليلة من غزو أبيها بابر أجزاء شاسعة من سهل الغانج الهندي، وكبرت في عهد أخيها غير الشقيق هوميان الذي وسع حدود الإمبراطورية شرقاً حتى البنغال، وماتت عام 1603 في عهد أشهر أباطرة المغول ابن أخيها أكبر، وقد كتبت تاريخها للإمبراطورية بطلب من أكبر نفسه وهي في سن الـ 64، ولأن كتابها يبرز حضور النساء والأطفال فهو يعين لال في تحقيق إنجازها النادر باستعراض نشوء المغول من وجهة نظر نسائية".
في حدائق البلاط
تكتب فايفر أن غولبدن قضت غالبية شبابها في حدائق وخيم البلاط المغولي المتنقل، إذ شرع بابر في بناء العاصمة أغرا أواخر عشرينيات القرن الـ 16، لكنه ظل ورجاله يقضون غالبية وقتهم على الطريق سعياً وراء الفتوح، ولم تكن تلك بحياة تقشف، فقد كانت معسكرات المغول قصوراً في ذاتها فيها "أجنحة وقاعات استقبال وخيم مترامية الأطراف مقسمة إلى عشرات الغرف المبطنة بالذهب والمخمل، ومع ذلك كانت لحياة الجيوش مشاقها التي لم تنج منها النساء، ففي إحدى الحملات العسكرية الكارثية عام 1539 تعرضت زوجة الإمبراطور هوميان للأسر، ومات عدد غفير من النساء غريقات وهن يحاولن الفرار من العدو".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"كبرت غولبدن فأصبحت من مستشاري هوميان المخلصين، وتخصصت هي وغيرها من حارسات الإمبراطورية، بحسب تسمية روبي لال، في جهود المصالحة، فحينما حاول هيندال شقيق هوميان الاستيلاء على العرش المغولي عام 1538 كانت والدته ديلدار هي المبعوثة لمناشدة ابنها الوحدة، وأسهمت النساء في ضمان طول بقاء ممالك جنوب آسيا بطرق أكثر اعتيادية وأهمها أرحامهن، ولأن الشريعة الإسلامية تعترف بنسل الحر من أمته كورثة شرعيين، اعتمد كثير من الحكام المسلمين على المحظيات في زيادة نسلهم، ورسخت النساء أيضاً الاستقرار بترسيخ طقوس البلاط، فقد كانت خانزاده، عمة غولبدن، هي التي قررت أن الوقت حان لأن يتزوج الأمير هيندال، وهي التي رتبت وليمة الاحتفال بعرسه، وفي يوم الاحتفال أشرفت على الجمع المهيب من ديوان شاركت فيه هوميان، فبدت رأساً برأس مع الإمبراطور".
انتهت حياة الترحال التي عرفتها غولبدن ونساء المغول عامة بتولي أكبر العرش، وكان أكبر، ابن هوميان وحميدة، من أعظم أباطرة المغول، إذ أرسى دعائم الإمبراطورية مثلما "أرسى دعائم الحريم، فإذا بالحركة الدائبة التي عاشتها نساء الأجيال السابقة واستحال فيها الفصل بين الجنسين تنتهي باستقرار نسبي في فضاء معين مقصور عليهن"، ويكتب رئيس تحرير "آسيا رفيو أوف بوكس"ن بيتر غوردون، في استعراضه لكتاب "الأميرة الهائمة" أنه يبدو لبعضهم كتابين في واحد، "فالقسم الأول تاريخ يستعرض أوائل المغول، مع تركيز لا يصل إلى درجة الانغلاق على النساء من زوجات وشقيقات وبنات للأباطرة الأوائل، فهناك خانزاده أخت بابر التي تركها عند هربه من سمرقند، وحميدة والدة أكبر، وديلدار والدة غولبدن، وبوا غير المغولية والدة إبراهيم لودي سلطان دلهي الذي قتله بابر بالسم، ومهام والدة هوميان التي أخذت غولبدن من ديلدار لتنشئها بوصفها ابنة لها، وكلهن مثلما تدفعنا روبي لال إلى التفكير نساء ذوات شخصيات، وفي ضوء الأزمنة التي عشن فيها، وتصفها لال وصفاً مفعماً بالحياة، ما كان لهن أن يكن على خلاف ذلك".
أسفار هائمة
يرى بيتر غوردون أن قصة الإمبراطورية المغولية معروفة، "ولكن المنظور الذي تكتبها به روبي لال مختلف"، إذ "تقدم لال القصة باعتبارها رحلة حياة تبدأ بأسفار هائمة وخيم متنقلة وتنتهي بحريم ذي غرف وجدران، فلا عجب أن خرجت غولبدن على رأس جماعة من النساء لزيارة مكة وأداء فريضة الحج في رحلة طالت أربعة أعوام بعد أن اكتفت غولبدن، كما تقول لال، من حياة المقاصير والجدران وسئمتها، فكانت رحلة شبه الجزيرة العربية مهرباً بقدر ما كانت واجباً دينياً".
أما قسم القصة الثاني فهو في ما يبدو الذي استولى على اهتمام روبي لال أكثر مما عداه، وقد اعتمدت فيه على كتاب "الأحوال في زمن هوميان بادشاه"، وتكمن الصعوبة في أن الكتاب نفسه يتوقف في منتصف جملة تاركاً حكاية مثيرة فيه بلا تتمة، والظاهر أن هوميان كان قد أصدر أمراً بحرمان أخيه غير الشقيق، ويدعى قمران، من بصره، وذلك "بعد قدر كبير ومعترف به من الاستفزاز"، وبينما تحكي غولبدن الحكاية في كتابها قالت إنه "جرى تنفيذ الأمر على الفور، وبعد أن عمِي قمران، إذا بصاحب الجلالة الإمبراطور..." ثم لا شيء، وليس هذا هو الغموض الوحيد، فثمة غموض آخر يتعلق برحلة غولبدن إلى مكة المكرمة، فهذه الرحلة، ولعلها المقصودة من كلمة المغامرات في عنوان الكتاب، "غير مذكورة من خلال غولبدن نفسها، وتفاصيلها قليلة في المصادر المغولية".
![]()
"في غضون عام من وصول الأميرة إلى مكة عام 1578، أصدر السلطان العثماني مراد الثالث، وكان العثمانيون حكاماً لمصر ومنطقة الحجاز منذ عام 1517، مرسوماً إمبراطورياً بإجلاء غولبدن وحاشيتها، ثم عاد وفعل ذلك مجدداً بعد عامين في 1580، بل إن ثمة خمسة مراسيم بهذا المعنى محفوظة داخل أرشيف إسطنبول الوطني في تركيا، وقد يكون هناك مزيد".
يكتب بيتر غوردون أن استجلاء التاريخ الفعلي قد استوجب من روبي لال الربط بين النقاط، فما الذي فعلته غولبدن بالضبط فاستوجب إجلاءها من الأراضي المقدسة؟ "في الرواية التي تجمع روبي لال شذراتها، تظهر غولبدن وحاشيتها عظيمات السخاء كريمات في الصدقات بما أثار حفيظة السلطان العثماني، وثمة تفسير آخر منطقي وإن لم يثبت بدليل موثق، وهو أن الإمبراطور أكبر، بحسب ما تقول لال، كان يسعى إلى خلافة المسلمين، فكان بذلك منافساً محتملاً لمراد الثالث"، ويشير استعراض غوردون أيضاً إلى لغز بتر كتاب غولبدن في منتصف جملة، ولغز عدم توافر الكتاب إلا في نسخة واحدة، ويتساءل هل السبب في انتهاء الكتاب فجأة يرجع إلى "حذف من غولبدن نفسها، أم هو اختصار لمشهد شهير لا داعي للإسهاب فيه، أم لعله تدخل من شخص آخر؟ وهل كتبت غولبدن مزيداً؟ وإن كانت كتبت فما الذي كان في بقية الصفحات؟ وما الذي حدث لها؟"
لكن كل نظريات الحذف تتهافت أمام سؤال بسيط وهو لماذا لم تحذف واقعة الأمر الإمبراطوري كلها؟ وغالبية ظني أن الكتاب جرى عليه ما جرى على آلاف الكتب التي وصلتنا ناقصة، وغيرها مما لم يصلنا أصلاً، غير أن المؤرخة النسوية روبي لال "تعتقد أن غولبدن تعرضت لمحو عمدي هي وكتابها ورحلتها إلى شبه الجزيرة العربية، فقد كان الإمبراطور أكبر طامحاً إلى السيطرة على العالم الإسلامي، وكان طموحه عظيماً، فمن شأن أي ذكر للأفعال، المنافية للإسلام، التي اقترفتها النساء المغوليات، ناهيكم بتوثيقها في السجلات، أن يستجلب العار"، ويعلق غوردون بأن الأمر قد يكون كذلك، "فالتاريخ الرسمي تعرض للتحرير منذ الأزل ولا يزال".
تمرد على الحريم
وبعيداً من الألغاز تطرح هيلين فايفر إطاراً آخر لقراءة الكتاب وهو أن عنوان "الأميرة الهائمة" يشير إلى "مقاومة غولبدن للنظام الجديد" الذي فرضه أكبر على نساء العائلة الحاكمة، أي مقاومة نظام الحريم، "ففي ظل ضيقها بالحبس في الحريم الإمبراطوري، بحسب ما تتكهن روبي لال، خرجت غولبدن بيغوم للحج رفقة 11 أخريات من نساء البلاط، وكانت مكة والمدينة، كدأبهما الآن، تغصان بالزوار في موسم الحج، ففي عام 1580 بلغ عدد الزوار 200 ألف وعدد الذبائح 800 ألف، لكن المدينتين على مدار العام كانتا ملاذاً للهائمين والمنفيين والبائسين، فأقامت غولبدن في شبه جزيرة العرب أربعة أعوام".
وهكذا يكون الحج تمرداً على الحريم، وشخصياً لا أجد في ذلك بأساً، ثم تبرز هيلين فايفر في الكتاب سرداً نسوياً لرحلة الحج خلافاً للروايات الذكورية الشائعة، فقد "نجحت روبي لال في استخلاص حج نسوي، إذ سافرت غولبدن ورفيقاتها من غوجارات بحرا ورسون في ميناء جدة، وكلمة جدة تعني في العربية أم الأب أو الأم، فهي إشارة إلى حواء التي يقال إنها مدفونة في المدينة، ولعل النساء وقعت أعينهن للمرة الأولى على الكعبة فتذكرن أوصافها في التراث بوصفها عروساً مكنونة في ثياب موشاة بالذهب، وعلى مقربة من المدينة ثمة حديقة النساء ببئرها الذي يقال إن ماءه يشفي النساء من 70 مرضاً، وداخل المدينة غير بعيد من قبر النبي محمد مدفن ابنته الحبيبة فاطمة، ولو كان الركب قادماً من العراق لسافر على شبكة من الطرق أمرت بإقامتها زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، في القرن الثامن، فجغرافياً أقامتها النساء أو أقيمت حولهن ولهن، وحافظت غولبدن وحاشيتها على تقليد قيام النساء بأعمال الخير بتوزيع الصدقات أينما ذهبن".
"غير أن السلطة الذكورية انتصرت في النهاية، إذ علم السلطان العثماني مراد الثالث بكرم المسافرات ورآه تحدياً مغولياً لسيادته، وهذا في ذاته دليل على نظر الرجال بجدية إلى أفعال النساء، ولم تستسلم غولبدن ورفيقاتها إلا بعد أوامر عدة بالطرد، فخرجن عام 1850 وأبحرن في وقت غير مناسب للإبحار فتحطمت بهن السفينة على ساحل اليمن، ولما رجعن أخيراً إلى أراضي المغول عام 1852 قوبلن مقابلة الأبطال، غير أن لال تصف لحظة رجوعهن بلحظة الخسارة والفقدان لحيوية حياة التنقل".
وعلى رغم شح المصادر الشديد ونقصان بعض المصادر الأساس من قبيل كتاب غولبدن نفسها الذي لم تبق منه غير نسخة واحدة محفوظة في المكتبة البريطانية، تقدم لال سردية مقنعة، أو هي بحسب ما يقول غوردن "مقنعة لغير المتخصصين في الأقل ممن لا يملكون الوصول إلى ما في الأرشيفات، لكن المرء لا يملك إلا أن يفكر في أن مادة 'الأميرة الهائمة' كان يمكن أن تصلح لرواية تاريخية فاتنة، ولا تزال تصلح لمثل هذه الرواية".
العنوان: Vagabond Princess: The Great Adventures of Gulbadan
تأليف: Ruby Lal
الناشر: Yale University Press