img src="https://www.independentarabia.com/sites/default/files/styles/thumbnail/public/article/mainimage/2025/08/02/1115376-1924832937.jpg" loading="lazy" style="width:100%; height:auto; display:block;"

figcaption style="display:block; background:#f9f9f9; color:#777; font-size:12px; padding:8px; text-align:center; border-top:1px solid #eee; font-family:inherit;"

i class="fas fa-camera"/i صورة مرفقة

/figcaption

/figure">

أكراد عراقيون يقفون بجانب توابيت تحتوي على رفات الضحايا الذين قتلوا في مذبحة الأنفال، خلال مراسم دفن في قرية بارزان في شمال العراق في 31 يوليو 2022 (أ ف ب)

تقارير

العملية، التي استغرقت نحو ثمانية أشهر من الملاحقة والمتابعة الدقيقة والسرية، أزاحت الستار عن شخصيةٍ كانت مختفية عن أنظار العدالة عقوداً، وتحمل في سجلها اتهامات ثقيلة تتعلق بجرائم إبادة جماعية وتعذيب واغتصاب وقتل، ضمن سلسلة الجرائم التي ارتُكبت في حق أبناء القومية الكردية، بخاصة خلال حملات الأنفال أواخر الثمانينيات.

نكرة السلمان: منفى الموت ورمز الرعب

سجن "نكرة السلمان"، الواقع في صحراء المثنى جنوب العراق، تحول في عهد البعث إلى ما يُشبه مقبرة مفتوحة لكل من يُتهم بمعارضة النظام. غير أن ما جعله أشد قسوة، هو أنه كان منفى الأكراد قسراً ضمن حملة الأنفال السيئة السمعة، التي بدأت عام 1988، واستُخدمت فيها أساليب تطهير عرقي موثّقة بشهادات الناجين ومنظمات حقوق الإنسان الدولية.

الضابط المسؤول عن "الأمن" داخل ذلك المعتقل الرهيب، كما تشير كثير من روايات الضحايا، لم يكن سوى عجاج التكريتي، أو كما يعرفه سجناء نكرة السلمان بـ"الحجاج".

تقول إحدى الشهادات المروعة، "كنا نسمع وقع خطواته قبل أن يدخل الزنزانة، وكأن الموت يسبق قدومه بثوانٍ".

GxRSMGWXUAAfRen.jpeg

صورة متداولة لحجاج نكرة السلمان​​​​​​​ (مواقع التواصل)

من هو "حجاج نكرة السلمان"؟

عجاج أحمد حردان، المنحدر من مدينة تكريت، ينتمي إلى عشيرة البوناصر - نفس عشيرة الرئيس العراقي السابق صدام حسين - وتحديداً فخذ النزار. شغل خلال حكم البعث سلسلة مناصب أمنية في قواطع عدة منها الرميثة والنجمي والهلال والبصية، وأخيراً نكرة السلمان، حيث قاد عمليات الإعدام ودفن الضحايا في مقابر جماعية.

وكان عجاج أحد أعمدة الجهاز الأمني الذي مارس التنكيل في حق المدنيين العزّل، ووفقاً للبيان الرسمي الصادر عن جهاز الأمن الوطني، فقد ارتكب "سلسلة من الجرائم ضد الإنسانية في حق المئات من المواطنين العراقيين، لا سيما من أبناء القومية الكردية المنفيين قسراً".

كيف اعتُقل؟

بحسب بيان الجهاز، فإن عملية القبض على عجاج جاءت بعد متابعة استخبارية دقيقة استمرت أكثر من نصف عام، بتنسيق بين أمن المثنى وأمن جنوب صلاح الدين. لكن المستشارة في رئاسة الجمهورية العراقية، بري نوري، كشفت لموقع "روداو" الذي يتخذ من أربيل مقراً له، أن الجهد الحقيقي بدأ منذ نحو ثمانية أشهر، إذ تابع مكتب السيدة الأولى للجمهورية الموضوع من كثب وبسرية تامة، وأسهم في نقل المشتكين إلى المثنى وتوثيق أقوالهم تحت إشراف أمني وقضائي.

وتقول نوري، "عملنا بصمت وصبر. كل التفاصيل كانت تُدار بصورة سرية حتى لا يتمكن المتهم من الهروب مجدداً. كان لدينا تواصل مباشر مع جهاز الأمن الوطني ونتابع التقدم أسبوعياً".

المثير، بحسب عضو اللجنة الأمنية العليا في محافظة صلاح الدين، كاوة شيخاني، أن عجاج التكريتي أجرى عملية تجميل لتغيير ملامح وجهه، وعاش خلال الأعوام الأخيرة متخفياً تحت مهنة "مربّي أغنام"، وامتلك مزرعة صغيرة في منطقة البو جواري بقضاء الضلوعية.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رسائل مباشرة من الدولة

يقول الباحث الأمني فاضل أبو رغيف إن اعتقال "سفاح الأنفال"، كما وصفه، "يمثل رسالة واضحة بأن العراق دخل مرحلة جديدة من تصفية الملفات العالقة مع الماضي". ويضيف، "عجاج لم يكن مجرد ضابط، بل كان أداة تنفيذ قذرة لأبشع جرائم النظام، ومثل هذا الاعتقال لا يتحقق إلا بجهد استخباري عالي الدقة. من المهم أن تُستكمل الإجراءات القضائية وأن يُمنح الضحايا حقهم الكامل في المحاكمة العادلة للجلاد".

من جهته يرى الباحث في الشؤون الأمنية، عبدالخالق الربيعي، أن "العملية أعادت الثقة نوعاً ما بين الدولة والمجتمع الكردي"، مضيفاً أن "إلقاء القبض على أحد الجلادين الرمزيين في ملف الأنفال يعزز مصداقية الدولة العراقية أمام الرأي العام الكردي. لقد طال الانتظار، لكن اعتقاله الآن، وبالتعاون بين جهات عدة، يحمل بُعداً معنوياً ووطنياً مهماً".

سر "وفاته"... وأين كان يختبئ؟

وفقاً للمصادر الأمنية، فإن عائلة عجاج كانت قد ادعت وفاته منذ أعوام، في محاولة لتضليل الجهات القضائية. لكن الجهد الاستخباري الأخير، بما فيه تحليل اعترافات سابقة ومقارنة بصمات جينية وصور قديمة، أدى إلى تحديد مكانه بدقة.

واعتُقل الأربعاء الـ30 من يوليو (تموز) الماضي، في تمام الساعة 12:30 ظهراً من مزرعته، حيث كان يرعى 80 رأس غنم وأربع بقرات، ويمتلك سيارتين من نوعي "كيا وتويوتا".

ولم تعلن السلطات عن مكان احتجازه حتى الآن، لكن من المرجّح أنه موجود في أحد مراكز الاحتجاز التابعة لجهاز الأمن الوطني لحين استكمال التحقيقات.

لا حصانة للجلادين

في بيان حازم، اختتم جهاز الأمن الوطني العراقي الإعلان بقوله إن "يد العدالة ستظل تلاحق كل من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، وأن الزمن لن يكون ملاذاً للهاربين من القصاص العادل".

رسالة صريحة تحمل دلالات أعمق من مجرد اعتقال متهم، إنها مواجهة تاريخية مؤجلة بين الذاكرة الوطنية وحقبة سوداء كانت طي النسيان… حتى الآن.