img src="https://www.independentarabia.com/sites/default/files/styles/thumbnail/public/article/mainimage/2025/08/15/1117005-2074713176.jpg" loading="lazy" style="width:100%; height:auto; display:block;"

figcaption style="display:block; background:#f9f9f9; color:#777; font-size:12px; padding:8px; text-align:center; border-top:1px solid #eee; font-family:inherit;"

i class="fas fa-camera"/i صورة مرفقة

/figcaption

/figure">

الأم وطفلتها أمام الخراب الذي أحدثه القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان (ملف الفيلم)

سينما

thumbnail_2.jpg

جنوبي أمام منزله المهدم في "حكايات الأرض الجريحة" (ملف الفيلم)

 

غير أن الفيلم، على رغم خلفيته الحربية وما ينقله من مآسي، لا يدور حول الحرب في ذاتها، بل ينشغل أكثر بما يولد من رحمها: الأمل. على مدى ساعتين، يصحبنا فاضل في جولة توثيقية تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، شاهدة على الخسائر، المادية والمعنوية، التي لحقت بمدنيين. إلا أن ما يميزه هو التقاطه لإصرار هؤلاء على الحياة، ورفضهم الاستسلام، وكأنهم يتشبثون بالأمل كمن يتشبث بخشبة نجاة وسط الطوفان. تتجسد هذه الروح المتفائلة في صورة الطفلة الصغيرة، التي لا يكف والدها عن تصويرها كرمز للحياة المتجددة، نقيض الخراب وتعبيراً عن الأمل في أكثر اللحظات ظلمةً. استطاع فاضل في التقاط عمق الشخصية اللبنانية، تلك التي ما إن يسكت دويّ القصف، حتى تبدأ بإعادة الإعمار، وكأنها تعيش في حلقة قدرية لا تنفكّ تتكرر بين الهدم والبناء، بين الألم والإصرار على البقاء.

يروي فاضل كيف تحولت معايشته اليومية للحرب إلى هاجس توثيقي، ففيلم سينمائي يُعرض في واحد من أعرق المهرجانات: "عندما بدأت الضربات الأولى حول قريتنا، باشرت فوراً في التصوير، من دون أن تكون لديّ فكرة عن إنجاز فيلم. كنت ببساطة أوثق ما كان يحدث: أنا مخرج، وأمتلك كاميرات، وهاتفي... مثل الجميع، كنت أظن أن الحرب ستستمر بضعة أيام، ربما بضعة أسابيع. لكنها في النهاية استمرت خمسة عشر شهراً. خلال هذه الفترة، جمعت الكثير من المشاهد. ومع مرور الوقت، بدأ الفيلم يتكوّن في ذهني. كان الأمر، في الواقع، بسيطاً إلى حدّ ما: اتباع تسلسل الأحداث، من الضربات الأولى إلى وقف إطلاق النار.  عندما قررنا العودة إلى قريتنا، بعد هذا الوقف لإطلاق النار، كان الفيلم قد تبلور بالفعل في ذهني. لا أستطيع تحديد عدد الساعات التي صورتها. كانت كثيرة. كان بإمكاني أن أخرج فيلماً مدته عشر ساعات. لكنني كنت أضع في اعتباري تجربة فيلمي السابق، "حكايات البيت الأرجواني"، الذي بلغت مدته نحو ثلاث ساعات، وقد واجه صعوبات في التوزيع: لا الموزعون ولا صالات السينما يميلون إلى عرض فيلم بهذا الطول. فحاولت هذه المرة أن أُضَيّق النطاق. أنجزت فيلماً مدته ساعتان. عملية المونتاج جاءت كالآتي: الضربة الأولى، ثم النزوح، ثم العودة".

thumbnail_3.jpg

نور بلوق وعباس فاضل وإبنتهما في نقاش حول الفيلم (خدمة المهرجان)

 

يسرد فاضل الذي انخرط في الأحداث وفي يده آلة تسجيل، ان كل ما نراه في الفيلم قرى حدودية مدمّرة بالكامل، تحوّلت إلى أراضٍ محروقة. قريته تقع على بُعد نحو عشرين كيلومتراً من الحدود، تضررت جزئياً لكنها لم تُدمَّر مثل القرى التي لم تكن تبعد سوى مئتي متر أو كيلومتر واحد عن الحدود، فتلك مُسحت تماماً من الوجود.

خلال النقاش الذي جاء بعد العرض العالمي الأول للفيلم في لوكارنو، بدا الجمهور السويسري متعطشاً لمعرفة المزيد عن ظروف التصوير في بلد يعيش مأساة كهذه، وفي هذا الاطار طرح شاب على المخرج سؤالاً تقنياً، فكان رده: "استخدمتُ كاميرا "باناسونيك" يبلغ سعره نحو 2000 دولار، أي يمكن اعتباره في متناول الجميع. جزء من المشهد الأول، الذي نرى فيه ابنتي تركض، صوِّر بهاتفي المحمول. عندما أُقدّم دروساً للطلاب في السينما، أقول لهم إنهم محظوظون: التكنولوجيا أصبحت متاحة، وبكاميرا هاتف بسيط، يمكنكم صناعة فيلم. عندما بدأتُ، كان إنجاز فيلم مكلفاً. اليوم، لم يعد هناك عذر تقني: ما يهم هو ما نرويه وكيف نرويه، لا حجم الكاميرا. أنا شخصياً اختبرتُ هذا النظام التقليدي في أول فيلم روائي طويل لي، "فجر العالم". لكني أدركت أن هذه الآلة الثقيلة كانت تعيقني أكثر مما تساعدني. في المشاهد الحميمية بين شخصين، كان هناك خمسون شخصاً خلف الكاميرا: كان ذلك يقتل العفوية تماماً. بعد هذا الفيلم، قررت أن أتوقف عن التصوير. ثم، عندما أصبحت التكنولوجيا في المتناول، عدتُ وبدأتُ في إنتاج أفلامي بنفسي. أفلامي الخمسة الأخيرة، قمت بتمويلها مئة في المئة بنفسي. لم أبحث عن منتجين مشاركين، ولا عن تمويلات مؤسساتية، لأن هؤلاء الشركاء يفرضون شروطاً سخيفة، كأن أقدّم سيناريو لفيلم وثائقي. لكن إن كنتُ أعرف مسبقاً ما سأصوّره، فلن تعود لديّ رغبة في إنجاز التصوير".

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول فاضل إنه اختار الفيلم الوثائقي، لأنه أقل تكلفةً من الروائي، لا توجد أجور للممثلين، ولا ديكورات يجب بناؤها، ولا ماكياج. والأهم من كل ذلك: الواقع في نظره دائماً أغنى من الخيال. يعلق بالقول: "أنجزت فيلماً وثائقياً عن الغزو الأميركي للعراق، "وطن: العراق السنة صفر"، وصوّرت لمدة عام ونصف، قبل الحرب وبعدها. ما يعرضه ذلك الفيلم لا يمكن أبداً إعادة تجسيده في فيلم روائي، لأن الخيال يبدو دائماً زائفاً. تخيّل روبرت دنيرو أو آل باتشينو وهم يُجسّدان إحدى الشخصيات الحقيقية التي تراها في "حكايات الأرض الجريحة". لن يكون الأمر أبداً بهذه الدرجة من الصدق والأصالة".

ولا يوفّر فاضل المخرجين اللبنانيين من نقده اللاذع، مدركاً أن ما يقوله قد لا يكون غاية في اللطف. "كنت موجوداً في الميدان لإنجاز هذا الفيلم. في المقابل، بعض المخرجين اللبنانيين، حتى أولئك الذين ينحدرون من الجنوب، غادروا المنطقة إلى كندا أو أوستراليا، بدلاً من أن يحملوا الكاميرا ويصوّروا ما يحدث على أرضهم. أتفهم رغبتهم في الهروب من رعب الحرب. لكن، بعد عام، سيعودون لتصوير أفلام خيالية تروي ما حدث في لبنان... أنا لا أعمل بهذه الطريقة".