‏محمد النصراوي

‏مع اقتراب موعد الانتخابات العراقية تتكاثر الوعود والشعارات، وتزدحم الشاشات والإعلانات بصور المرشحين وهم يقدمون أنفسهم كما لو كانوا مخلصين قادرين على قلب الموازين بين ليلة وضحاها، وكأن المشهد يعيد إنتاج أسطورة قديمة عرفناها في حكاياتنا وتراثنا: أن يأتي فارسٌ من الصحراء على حصان أبيض، يلوح بسيفه فينقذ الجميع من أزماتهم، لكن التاريخ القريب والبعيد علمنا أن هذا الخيال الجميل سرعان ما ينقلب إلى عبءٍ خانق، وأن انتظار المنقذ الفردي لا يورث إلا مزيداً من خيبات الأمل، وهنا يقف الناخب العراقي أمام سؤال وجودي لا مفر منه: هل نكرر الخطأ ونستسلم لإغراء صورة الزعيم المنقذ، أم نمضي في الطريق الأصعب والأكثر واقعية، طريق البناء بأيدينا الجماعية؟

‏إن أسطورة القائد المنقذ تبدو جذابةً لأول وهلة، لكنها في العمق وصفة للفشل، فالمشاكل التي تحاصر العراق اليوم ليست عُقدةً بسيطة يحلها قرار واحد أو توقيع واحد، بل هي شبكة متداخلة من الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، لا فرد مهما بلغت قدراته يستطيع أن يضع حلولاً لكل ذلك بمفرده، ما تحتاجه البلاد هو مؤسسات قوية، سياسات مستمرة، آليات عمل جماعي، لا معجزة شخصية، والأسوأ أن ثقافة انتظار المنقذ تحول المواطن إلى متفرجٍ عاجز، يرفع يده بالدعاء بدل أن يمدها بالفعل، يتنازل عن حقه في الرقابة والمحاسبة ويعلق مصيره بيد فردٍ قد يخطئ أو يستبد، ومن رحم هذه الثقافة وُلدت أنظمةٌ استبدادية كثيرة في العالم، استندت إلى هالة الزعيم الذي لا يُسأل ولا يُحاسب، وانتهت إلى تدمير الدولة بدل بنائها.

… [+]