بغداد اليوم – بغداد
لم يمضِ ساعات على إعلان عدد من الفصائل المسلحة العراقية قبولها المبدئي بحصر السلاح بيد الدولة، حتى بدأ يظهر مسار مختلف داخل بعض التشكيلات الأكثر تسليحاً، وعلى رأسها كتائب حزب الله وحركة النجباء، حيث تؤكد المعطيات أنّ هذه الفصائل لا ترى مجالاً لتسليم السلاح الثقيل والمتوسط الذي تمتلكه، وتربط أي تغيير في هذا الملف بسياق الصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، لا بالقرار العراقي وحده. ومع اتساع النقاش حول بيانات الحصر، برز سؤال مباشر في بغداد: هل نحن أمام تحوّل حقيقي في ملف السلاح، أم أمام هدنة مؤقتة تبقي السلاح الثقيل خارج أي التزام عملي، بانتظار ما ستفرزه التطورات الإقليمية المقبلة؟
في هذا السياق، تتحرك واشنطن من زاوية مختلفة تماماً. فبالنسبة للإدارة الأمريكية، لا يكفي إعلان حصر السلاح بيد الدولة، بل المطلوب معالجة جذرية لبنية الفصائل المسلحة التي تُرى في واشنطن على أنها امتداد مباشر للنفوذ الإيراني، وخصوصاً الفصائل التي تمتلك قدرات صاروخية أو أسلحة بعيدة المدى يمكن استخدامها في أي مواجهة محتملة مع إسرائيل أو في ملفات إقليمية أخرى. وبين موقف أمريكي يدفع باتجاه تقليص هذه القوة إلى الحد الأدنى، وموقف فصائل ترفض المساس بسلاحها الثقيل وتتعامل مع الحصر كشعار قابل للتبدّل، يتحول الملف إلى نقطة اختبار رئيسية في علاقة بغداد بكل من واشنطن وطهران.
الكتائب والنجباء.. سلاح ثقيل خارج معادلة التسليم
المعلومات التي حصلت عليها "بغداد اليوم" تشير إلى أنّ جوهر الخلاف الفعلي لا يدور حول السلاح الفردي أو الخفيف المنتشر في تشكيلات متعددة، بل حول ترسانة السلاح الثقيل والمتطور (الذكي) وبعيد المدى الموجودة بشكل خاص لدى كتائب حزب الله وحركة النجباء، من صواريخ ومنظومات يُنظر إليها على أنها قادرة نظرياً على الاشتباك في مدى يتجاوز الحدود العراقية. هذه القدرات هي التي تضع هاتين الفصيلين في قلب أي نقاش أمريكي عن "الخطر الإقليمي" المتصل بالسلاح العراقي.
في المقابل، ترى هذه الفصائل أنّ الحديث عن تسليم هذا النوع من السلاح في الظروف الحالية غير مطروح، وتربطه بثلاثة عناوين أساسية ترد في خطابها: استمرار خطر تنظيم داعش وإنْ تراجعت حدّته الميدانية، والعمليات العسكرية التركية داخل الأراضي العراقية، والوجود العسكري الأمريكي. وبناءً على هذه القراءة، يُنظر إلى السلاح الثقيل باعتباره أداة ردع أساسية، وليس مجرد ملف يمكن التعامل معه كجزء من تسوية سياسية داخلية. لذلك يبدو أن الكتائب والنجباء، تحديداً، تتعاملان مع بيانات الحصر الصادرة عن قوى أخرى على أنها تخص مساحات مختلفة من المشهد المسلح، ولا تمس جوهر القوة التي تستند إليها قياداتهما.
هذه الفجوة بين ما تعلنه بعض القوى من استعداد للحصر، وما تذهب إليه الكتائب والنجباء من رفض عملي لتسليم السلاح الثقيل، هي ما يجعل ملف الفصائل يبدو منقسماً إلى مستويين: مستوى قابل للتفاوض يمكن أن يشمل السلاح الخفيف والاندماج الجزئي في مؤسسات الدولة، ومستوى آخر أكثر حساسية يتصل بالصواريخ والأسلحة البعيدة المدى التي لا يزال مصيرها معلّقاً.
حصر السلاح أم نزع السلاح؟ سقف الخلاف
في قلب هذا النقاش، يضع المحلل السياسي إحسان الشمري إطاراً واضحاً لاختلاف التعريفات بين واشنطن والفصائل، في حوار مع الإعلامية رانيا ناصر، قائلاً:
"الولايات المتحدة الامريكية تتحدث عن نزع سلاح الفصائل العراقية وتفكيك هذه المنظومة، بينما تتحدث الفصائل العراقية حسب موقفها المعلن، عن حصر السلاح بيد الدولة وليس تفكيكه. قد يكون هذا بوابة لدخول وانخراط مباشر للحوار بين الفصائل وواشنطن، مثلما فعلت إيران التي كانت تعد أمريكا الشيطان الأكبر لكنها تفاوضت معها وهذا مبرر للفصائل لفعل نفس الأمر.
الفصائل المسلحة العراقية حتى مع إعلانها القبول بحصر السلاح بيد الدولة، ستعود عن قراراها وتعلن من جديد وحدة الساحات، إذا وجدت حربا جديدة أو اشتباك جديد بين إسرائيل وإيران، ولذلك خطة واشنطن تجاه العراق لن تسمح ببقاء هذه القوة".
هذا التصريح يضع الإصبع مباشرة على نقطة التوتر الأساسية التي تنطبق على حالة الكتائب والنجباء. فقبول "مبدئي" بحصر السلاح لا يعني، وفق هذه الرؤية، استعداداً للتخلي عن القدرة على العودة إلى معادلة "وحدة الساحات" عند أي تصعيد بين إيران وإسرائيل. ومع وجود فصائل تمتلك سلاحاً بعيد المدى وترتبط تنظيمياً وسياسياً بطهران، يصبح هذا الاحتمال أكثر حضوراً في تقديرات واشنطن، وهو ما يفسر تركيزها على تفكيك المنظومة، لا فقط تنظيمها.
إستراتيجية "الضغط بضغط".. قراءة لمشهد البيانات
على مستوى أوسع من حالة الكتائب والنجباء، يقدّم أستاذ العلوم السياسية خليفة التميمي قراءة للمشهد الحالي بوصفه ساحة لتبادل الضغوط بين واشنطن والفصائل، وليس مجرد استجابة أحادية الجانب. ويقول التميمي في حديث لـ"بغداد اليوم" إنّ "الساعات الـ ٤٨ الماضية شهدت بروز بيانات لقوى وفصائل مسلحة عراقية متعددة العناوين والاتجاهات، كل منها يعبر عن موقفه من ملف حصر أو نزع السلاح"، لافتاً إلى أن "البيانات عبرت عن رأيين".
يوضح التميمي أنّ "الرأي الأول يتمثل بالقوى السياسية التي تمتلك أجنحة مسلحة، وهي منخرطة في ملف السياسة والانتخابات ومتناغمة مع الحكومة، وقد أظهرت مرونة عالية في ملف حصر ونزع السلاح، مما يدلل على تعاملها بموضوعية مع الضغوط الأمريكية التي تصاعدت بشكل لافت في الآونة الأخيرة". في هذا الإطار، تبدو بعض الفصائل مستعدة لتقديم تنازلات أكبر بخصوص السلاح الخفيف ودور الأجنحة المسلحة، ما دامت هذه التنازلات تُسهم في تخفيف الضغط على الدولة وحماية مواقعها السياسية.
في المقابل، يشير التميمي إلى أنّ "المسار الآخر يتمثل بالفصائل التي تعتمد في قوتها في المشهد العراقي على القوة العسكرية، والتي أظهرت أن تخليها عن السلاح ضمن مبدأ حصر ونزع السلاح مرتبط بانسحاب الولايات المتحدة من العراق"، مؤكداً أن "هذا الأمر لا يستبعد أن يكون تكتيكاً سياسياً ضمن إستراتيجية أساسية أسميتها 'الضغط بضغط'، أي الضغط على الولايات المتحدة للانسحاب من العراق أو على الأقل التخفيف من وطأة الضغوط على الفصائل العراقية". هذه القراءة تنطبق بشكل واضح على حالة الفصائل الأكثر تشدداً، ومن ضمنها الكتائب والنجباء، التي تربط أي تغيير في وضع سلاحها الثقيل بملف الوجود العسكري الأمريكي، وتستخدم هذا الربط كأداة ضغط مضادة.
ويستكمل التميمي قائلاً إنّ "الفترة القادمة ستكون فيها ردود أفعال من واشنطن حيال المشهد العراقي، لكن في كل الأحوال الولايات المتحدة لا تريد انسحاباً من العراق خلال 2026، لذا فإنه حتماً سيكون هناك مرونة في التعاطي مع الأمر، لاسيما وأن الولايات المتحدة لديها أوراق ضغط متعددة خاصة اقتصادية"، مع ترجيحه أن تشهد المرحلة المقبلة "حوارات أو مناورات عبر وسطاء أو عن طريق الحكومة من أجل الوصول إلى حلول تسهم في منع أي ارتدادات على المشهد العراقي سواء عقوبات أو غيرها".
بين الحشد والفصائل.. ما الذي تركز عليه واشنطن فعلياً؟
إلى جانب القراءة السياسية والأكاديمية، يقدّم القاضي والنائب السابق وائل عبد اللطيف تفصيلاً إضافياً يتعلق بكيفية تمييز واشنطن بين "الحشد الشعبي" كجسم قانوني، وبين "الفصائل" التي تبقى خارج هذا الإطار، وهي نقطة ترتبط مباشرة بالنقاش حول الكتائب والنجباء.
وطالب عبد اللطيف بتجنيب الحشـ ـد الشعبـ ـي أي أذى وعدم إثارة واشنطن، مذكراً بموقف المرجع الأعلى علي السيستاني الذي "أوعز بسحب الفصـ ـائل المرتبطة به فور انتشار أخبار عن وجود انتهاكات بحق أبناء الغربية". هذا التذكير يربط بين شرعية المرجعية الدينية في النجف وبين طريقة التعامل مع السلاح على الأرض، ويشير إلى أنّ الفصائل التي التزمت بتوجيهات المرجعية وجرى إدماجها داخل الإطار القانوني للحشد باتت في موقع مختلف عن الفصائل التي بقيت خارج هذا المسار.
ويضيف عبد اللطيف: "الولايات المتحدة وعن طريق مبعوثها مارك سافايا تعتقد أن كل هذه الفصـ ـائل تعود إلى إيران وليس للعراق لذلك يجب أن تقطع العلاقة بالكامل ما بين العراق وإيران وحتى الغاز الذي نعتمد عليه لتشغيل كهرباء العراق يجب أن يقطع بسبب العداء بين أمريكا وإيران، لذلك تركيز أمريكا على الفصـ ـائل فقط ولم يتطرقوا أبداً للحشـ ـد الشعبـ ـي لأن الحشـ ـد أصبح سليماً من الناحية القانونية".
هذا التوصيف يوضح أن واشنطن، وفق هذه القراءة، تضع الفصائل المرتبطة مباشرة بإيران – ومن ضمنها الكتائب والنجباء – في مركز الضغط، سواء عبر الحديث عن نزع السلاح أو عبر التلويح بأدوات اقتصادية مثل ملف الغاز والكهرباء، في حين تحاول تجنب الصدام مع "الحشد الشعبي" كجسم تم تنظيمه قانونياً داخل الدولة.
أما بشأن الفصـ ـائل التي رفضت إلقاء السـ ـلاح، فيقول عبد اللطيف إنّ "كتـ ـائب حـ ـزب الله العراقي لا تستطيع التصرف واتخاذ القرار بشكل منفرد، وذلك لارتباطها المباشر بحـ ـزب الله في لبنان، والاثنان على صلة بطهران، ونتمنى منهم أن لا يؤذوا أنفسهم فالوضع القادم للعراق صعب". هذه الجملة تختصر حجم التعقيد في قرار تسليم السلاح بالنسبة للكتائب تحديداً: القرار لا يُتّخذ داخل حدود العراق وحده، بل يتأثر أيضاً بحسابات قوى أخرى في لبنان وإيران، ما يجعل أي تسوية داخلية تصطدم بسقف إقليمي أعلى.
هدنة مؤقتة أم وضع جديد للسلاح الثقيل؟
انطلاقاً من هذه المعطيات، يبدو أن موقف الكتائب والنجباء الرافض لتسليم السلاح الثقيل يضع حدوداً واضحة لما يمكن أن تصل إليه بيانات "حصر السلاح" المعلنة من فصائل أخرى. فحتى مع قبول بعض القوى بالتدرّج في تسليم جزء من السلاح أو إدماج أجنحتها في مؤسسات الدولة، يبقى الجزء الأخطر – الصواريخ والأسلحة بعيدة المدى – خارج أي التزام عملي حتى الآن، خصوصاً لدى الفصائل الأكثر ارتباطاً بالمحور الإيراني.
الجملة التي قالها إحسان الشمري: "الفصائل المسلحة العراقية حتى مع إعلانها القبول بحصر السلاح بيد الدولة، ستعود عن قراراها وتعلن من جديد وحدة الساحات، إذا وجدت حربا جديدة أو اشتباك جديد بين إسرائيل وإيران، ولذلك خطة واشنطن تجاه العراق لن تسمح ببقاء هذه القوة"، تختصر إلى حد كبير جوهر النقاش الحالي. بالنسبة لواشنطن، وجود فصائل تمتلك سلاحاً بعيد المدى وترتبط سياسياً وعسكرياً بطهران، مع قابليتها للعودة إلى معادلة "وحدة الساحات" عند أي اشتباك جديد، يجعل ملف السلاح الثقيل في الكتائب والنجباء تحديداً هدفاً مباشراً للضغط. وبالنسبة لهذه الفصائل، أي تنازل في هذا الملف دون تغيّر جذري في المعادلة الإقليمية يُنظر إليه على أنه خسارة لأهم أداة تأثير تمتلكها.
بين هذين الموقفين، تبدو الدولة العراقية مطالبة بإدارة واحدة من أعقد الملفات في المرحلة الحالية: ضبط السلاح خارج المؤسسات، الاستجابة للضغوط الأمريكية بالحد الأدنى الممكن، وعدم الذهاب إلى صدام مباشر مع فصائل تمتلك خبرة قتالية وسلاحاً ثقيلاً وعلاقات إقليمية متشابكة. وحتى تتضح اتجاهات الصراع بين واشنطن وطهران وإمكانية تجدد الاشتباك بين إيران وإسرائيل، سيبقى السؤال مفتوحاً: هل ما جرى من بيانات حصر السلاح يمهّد لتسوية شاملة تشمل في النهاية السلاح الثقيل لدى الكتائب والنجباء، أم أنّ هذا السلاح سيبقى خارج أي اتفاق، مع بقاء احتمال "وحدة الساحات" قائماً في حسابات جميع الأطراف؟
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية والسياسية في بغداد اليوم



