تشهد مدينة حلب تصعيداً عسكرياً خطيراً يُنذر بتداعيات إنسانية واسعة، في ظل ما يتعرض له الأحياء ذات الغالبية الكردية، ولا سيما حيي الشيخ مقصود والأشرفية، من قصف مكثف وعمليات عسكرية وُصفت بأنها ترقى إلى تطهير عرقي ممنهج يهدف إلى تغيير ديمغرافي قسري في المدينة.

وبحسب تسلسل الأحداث، بدأت العمليات العسكرية باستهدافات محدودة داخل الحيين الكرديين، قبل أن تتحول سريعاً إلى حملة قصف واسعة باستخدام الأسلحة الثقيلة، بالتزامن مع إعلان الحكومة السورية فتح ما سمّته “معابر إنسانية”، في خطوة يرى مراقبون أنها جاءت تحت ضغط عسكري يهدد سلامة المدنيين ويدفعهم إلى النزوح القسري من مناطقهم.

وقد رافق ذلك نشر خرائط عسكرية تُحدد مناطق استهداف داخل الأشرفية والشيخ مقصود، في إجراء أثار مخاوف واسعة من محاولة تفريغ هذه الأحياء من سكانها الأصليين، في سياق يتكرر فيه نمط الانتهاكات التي تطال الوجود الكردي في سوريا.

وفي مرحلة لاحقة، صعّدت القوات الحكومية عملياتها عبر قصف عنيف طال الحيين الكرديين ومحيطهما، إضافة إلى مناطق مجاورة مثل الشقيف وبني زيد، وصولاً إلى المناطق المطلة على طريق الكاستيلو الحيوي. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه العمليات لم تميّز بين مواقع عسكرية ومناطق سكنية، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال.

من جهتها، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تعرض مواقعها ومناطق سكنية كردية لهجوم واسع، متهمة القوات الحكومية ببدء التصعيد وخرق التفاهمات السابقة، في حين أسفر القصف المتبادل عن مقتل 7 مدنيين وإصابة أكثر من 50 آخرين، وفق إحصاءات أولية.

وفي هذا السياق، أدان رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني، بشدة الاعتداءات التي يتعرض لها الكورد في مدينة حلب، مؤكداً في بيان رسمي أن ما يجري ليس مجرد مواجهات عسكرية، بل محاولات خطيرة لتغيير ديمغرافي ممنهج يهدد الوجود الكردي التاريخي في المدينة، داعياً المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لحماية المدنيين ووقف هذه الانتهاكات.

تطور المواجهات

ميدانياً، تطورت الأحداث إلى اشتباكات مباشرة باستخدام الأسلحة المتوسطة والثقيلة، خصوصاً في محيط حي الشيخ مقصود، وسط إطلاق نار كثيف وتصاعد أعمدة الدخان. وامتد تأثير التصعيد ليشمل أحياء واسعة من غرب ووسط وشرق حلب، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الحركة داخل المدينة، مع إغلاق طريق الكاستيلو، الشريان الحيوي الذي يربط حلب بريفيها الشمالي.

خلفية: حلب والوجود الكردي

تُعد مدينة حلب واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وتمثل عبر تاريخها نموذجاً للتنوع القومي والثقافي، حيث يشكل الكورد جزءاً أصيلاً من نسيجها الاجتماعي، لا سيما في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية التي احتضنت آلاف العائلات الكردية منذ عقود. وخلال سنوات الحرب السورية، تحولت هذه الأحياء إلى ملاذ نسبي للمدنيين الهاربين من العنف، قبل أن تصبح مجدداً هدفاً لعمليات عسكرية تهدد بإفراغها من سكانها الأصليين.

ويرى مراقبون أن ما يجري في حلب اليوم يعكس صراعاً يتجاوز البعد العسكري، ليمس هوية المدينة وتركيبتها السكانية، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من أن استمرار هذه العمليات سيقود إلى كارثة إنسانية وتغيير ديمغرافي لا يمكن عكسه.