في مواجهة مباشرة قد تكون الأعنف منذ سنوات لرسم ملامح سوريا الجديدة، تتجه الأنظار صوب الأحياء الشمالية لمدينة حلب، حيث يبدو أن "صفقة كبرى" حيكت في الغرف المغلقة بباريس قد بدأت ترجمتها الميدانية بالنار والحديد ضد الأكراد، مما أثار عاصفة من رودود الأفعال.
فمع انقضاء المهل الزمنية التي حددتها دمشق، يجد الأكراد في حيي "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستسلام والتهجير القسري نحو الشرق، أو خوض معركة وجودية غير متكافئة ضد تحالف غير معلن يجمع دمشق وأنقرة، وبمباركة أمريكية-إسرائيلية صامتة.
"استسلام لا سلام"
على الأرض، تسود حالة من الترقب المشوب بالرعب. وزارة الدفاع السورية، وعبر بيان نقلته وكالة "سانا"، أعلنت عن إيقاف مؤقت للنار انتهى صباح اليوم، مطالبة مقاتلي "قسد" بالمغادرة بأسلحتهم الفردية فقط نحو شمال شرق البلاد، في خطوة وصفتها دمشق بـ"تمهيد لعودة سلطة القانون".
صورة مرفقة
لكن الرد الكردي جاء حاسماً ورافضاً لمنطق "الإملاءات". فقد أعلنت المجالس المدنية الكردية في حلب، الجمعة، رفضها القاطع لدعوات الإخلاء، واصفة نداءات دمشق بأنها "دعوة للاستسلام".
وقال مجلس الشعب في الشيخ مقصود والأشرفية في بيان: "شعبنا مصمم على البقاء في أحيائه والدفاع عنها"، في إشارة واضحة إلى أن الأكراد يرون في هذه العملية محاولة لاقتلاعهم من جذورهم التاريخية في المدينة.
صفقة باريس: الثمن "رأس قسد"
يرى مراقبون أن التصعيد العسكري المفاجئ للرئيس أحمد الشرع ليس مجرد تحرك أمني روتيني، بل هو الثمرة الأولى لـ "لقاء باريس" السري الذي عقد قبل أيام.
مصادر مطلعة كشفت لرويترز أن اللقاء ضم وزير الخارجية السوري ونظيره الإسرائيلي، بحضور ثقيل لعرابي "الرؤية الترامبية" للشرق الأوسط: ستيف وستكوف، توم براك، وجاريد كوشنر.
وتشير المعلومات إلى أن الشرع انتزع "موافقة مباشرة" من الأمريكيين والإسرائيليين لإطلاق يده عسكرياً ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
صورة مرفقة
الهدف المعلن للشرع هو إنهاء حالة "الازدواجية" في السلطة، لكن الثمن السياسي هو انخراط دمشق في مسار التطبيع الرسمي ضمن "الاتفاقيات الإبراهيمية"، وقبولها بمنطقة اقتصادية منزوعة السلاح في الجولان المحتل.
وبحسب محللين، فإن الشرع يدرك أن "حلب" هي "الجائزة الكبرى". فانتزاع شمال المدينة من الأكراد يعني السيطرة على شرايين التجارة والصناعة والطرق الدولية نحو تركيا والعراق، وهو ما يعتبره الشرع ركيزة أساسية لأي مشروع حكم مستدام، قاطعاً الطريق أمام أي طموح كردي في الغرب السوري.
بارزاني يحذر من "تغيير ديموغرافي"
في أربيل، تصاعدت النبرة المنددة بما يجري. فقد أصدر رئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني، بياناً شديد اللهجة يوم الخميس حذر فيه من أن ما يجري في حلب يهدف إلى "تغيير التركيبة السكانية للمنطقة".
ووضع بارزاني، أحد أقوى الشخصيات في كردستان العراق، السلطة في دمشق والمجتمع الدولي أمام مسؤولياتهم الأخلاقية، مؤكداً أن "الاعتداءات على الأحياء الكوردية تثير القلق البالغ"، وأن "الحروب لا تحل المشاكل من جذورها".
وتعكس تصريحات بارزاني مخاوف عميقة من أن تكون العملية مقدمة لعملية "تطهير عرقي" منهجة تنهي الوجود الكردي في ثاني أكبر المدن السورية، وتضرب مفهوم "المواطنة المتساوية" الذي يُفترض أن تتبناه "الحكومة الديمقراطية الجامعة" التي أشار إليها بارزاني.
تركيا واسرائيل: تقاطع مصالح على "جسد" الجغرافيا السورية
لم تفوت أنقرة الفرصة، حيث أعلنت وزارة الدفاع التركية، الخميس، استعدادها لتقديم "الدعم اللازم" لدمشق إذا طُلب منها ذلك. ورغم أن العملية سورية التنفيذ حتى الآن، إلا أن العرض التركي يعكس رغبة أنقرة الجامحة في تصفية الوجود الكردي المسلح على حدودها، حتى لو كان ذلك عبر بوابة خصمها السابق في دمشق.
من جهة أخرى، يرى خبراء استراتيجيون أن المصلحة الإسرائيلية في هذا الصراع مركبة. فبينما تدعم إسرائيل بقاء "الشرع" كزعيم قوي قادر على ضبط الحدود، إلا أن نظريتها الأمنية التقليدية تفضل "محيطاً جغرافياً ممزقاً".
صورة مرفقة
السماح للشرع بضرب الأكراد يحقق لإسرائيل هدفين: إدخال المكونات السورية في صراع دموي يعمق الشرخ الاجتماعي والطائفي ويمنع قيام دولة سورية متماسكة وقوية، وفي الوقت نفسه، تقديم "خدمة" للشرع مقابل الانخراط في قطار التطبيع.
ويقول محللون إن إسرائيل لا تزال تعتقد أن قسد "مخترقة إيرانياً". ويعتقد كثيرون أن حزب العمال الكردستاني الداعم الرئيسي لقسد لا يزال يحتفظ بعلاقات طيبة مع طهران.
مستقبل غامض
مع رفض الأكراد للخروج، وتحشيد الجيش السوري لاقتحام الأحياء السكنية المكتظة، تبدو الساعات القادمة حاسمة ومأساوية. الوساطات الأمريكية لخفض التصعيد، التي تحدثت عنها تقارير سابقة، تبدو الآن وكأنها كانت مجرد "تخدير" سياسي، في حين يُترك المدنيون الأكراد وحدهم في مواجهة آلة عسكرية حصلت على غطاء دولي وإقليمي لإعادة رسم الخريطة، حتى لو كان الثمن دماء سكان الشيخ مقصود.



