تشهد الخارطة السورية تحولاً بنيوياً هو الأخطر منذ اندلاع الصراع، حيث وضعت الساعات الـ 48 الماضية نهاية فعلية لمشروع "الإدارة الذاتية" في شمال وشرق سوريا.
وتقول مصادر استخبارية رفيعة إن ما جرى في مدن الرقة ودير الزور والطبقة يمثل التنفيذ الحرفي لما عُرف داخل الدوائر الضيقة بـ "الخطة ب"، وهي استراتيجية وضعها أحمد الشرع، منذ سنوات، تهدف إلى استعادة المركزية المطلقة عبر تفكيك المكونات المسلحة غير الحكومية بعد استنفاد أغراضها الوظيفية ضد النظام السابق.
ذئب في ثياب الثورة
الشرع، الذي كان يعرف باسم الجولاني، لم يتخلَّ يوماً عن طموحاته المركزية، حتى عندما كان يقود فصائله من آخر جيب محاصر في إدلب.
وتفيد التقارير الاستخبارية بأن "الخطة ب" اعتمدت على مبدأ "الكمون الاستراتيجي"؛ حيث أظهر الشرع مرونة تكتيكية فائقة تجاه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) خلال معارك إسقاط دمشق، لضمان تحييد آلاف المقاتلين الكرد ومنعهم من التدخل لصالح بشار الأسد.
بمجرد استقرار السلطة في دمشق وحصولها على الاعتراف الإقليمي، تحولت "الخطة ب" من الورق إلى الميدان.
لقد كان الشرع يضمر مهاجمة الكرد منذ اللحظة التي كان يقاتل فيها في ريف حماة وإدلب، لكنه انتظر توفر ثلاثة شروط: غطاء جوي دولي، توافق استخباري مع أنقرة، ورفع الغطاء الأمريكي عن "قسد".
استطاع الشرع "تخدير" القيادة الكردية بوعود ثقافية وإدارية هشة، بينما كانت غرف العمليات في دمشق ترسم خرائط الانتشار في حقول النفط والغاز.
نهاية عصر الوكلاء
في غمرة هذا التحول، يُطرح اسم توماس براك، المبعوث الأمريكي الخاص الذي يراه مراقبون الشخصية الأكثر خطورة في صياغة مستقبل المنطقة. يختلف براك جذرياً عن سلفه بريت ماكغورك؛ فبينما كان ماكغورك يميل إلى حماية "الشركاء المحليين" والحفاظ على توازن المكونات، يتبنى براك عقلية "المركزية القابضة".
ويرى براك أن استقرار المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط يتطلب التعامل مع "دولة مركزية قوية" في دمشق قادرة على ضبط الحدود وحماية الموارد، وليس مع "إدارات فرعية" تثير حفيظة الحلفاء الإقليميين مثل تركيا.
تؤكد مصادر دبلوماسية أن براك، وبالتنسيق مع الأدميرال براد كوبر، قاد سلسلة من الضغوط الهائلة على مظلوم عبدي قائد "قسد".
وتمثلت هذه الضغوط في تخيير القيادة الكردية بين الاندماج الكامل وغير المشروط في مؤسسات الدولة السورية، أو مواجهة اجتياح عسكري مدعوم بغطاء إقليمي.
لقد كان براك هو المهندس الحقيقي لعملية "التسليم والاستلام" التي جرت في حقول العمر وكونيكو، معتبراً أن زمن "الاستثمار في الوكلاء" قد ولى لصالح زمن "التعامل مع الدول".
عقدة "العمال الكردستاني" والارتهان الوظيفي
أحد أبرز أسباب الإخفاق الكردي في الحفاظ على أراضيهم يكمن في بقائهم تحت "مظلة حزب العمال الكردستاني".
ويقول محللون إن هذا الارتباط لم يكن عبئاً أيديولوجياً، بل كان الذريعة الذهبية التي استخدمها أحمد الشرع لشرعنة تحركاته دولياً وإقليمياً.
استغل الشرع الفيتو التركي ضد أي كيان كردي مسلح، ليقدم نفسه لأنقرة كـ "بديل أمني" قادر على اجتثاث نفوذ مقاتلي حزب العمال الكردستاني من شمال سوريا.
وتشير التحليلات إلى أن القيادة الكردية فشلت في إدراك أن "الغطاء الأمريكي" كان مرتبطاً بوظيفة محددة وهي محاربة تنظيم داعش.
بمجرد انتهاء هذه المهمة، وصعود حكومة قوية في دمشق مستعدة للتعاون مع واشنطن حتى أقوى من الكرد أنفسهم، فقدت "قسد" مبرر وجودها المستقل. إن افتقار الكرد لضمانات مكتوبة وملزمة من الإدارة الأمريكية جعلهم عرضة للتقلبات السياسية؛ فالتاريخ الكردي مليء بالوعود الشفهية التي تتبخر عند أول تسوية بين القوى العظمى والأنظمة المركزية.
الرهان الخاسر والدروس المستفادة من كركوك 2017
يعيد مشهد سقوط مناطق شرق الفرات للأذهان سيناريو خسارة الكرد لنصف أراضيهم في العراق عقب استفتاء 2017.
في الحالتين، كان هناك "تعويل مبالغ فيه" على دعم واشنطن وإشارات من تل أبيب.
يوضح الكاتب عمر الشاهر، فإن الولايات المتحدة تستخدم الورقة الكردية كأداة توازن موسمي؛ ففي العراق كانت الحاجة للكرد لموازنة الأغلبية الشيعية، أما في سوريا فإن "سوريا السنية" الجديدة بقيادة الشرع تمثل بالنسبة لواشنطن الموازن الكافي، مما جعل الاستغناء عن الكرد قراراً استراتيجياً سهلاً.
إن خسارة السيطرة على حقول النفط والغاز (مثل حقل الرميلان وحقل العمر) تعني انهيار الركيزة الاقتصادية لأي طموح سياسي كردي.
لقد أدرك الشرع أن السيطرة على "الخبز والنفط" هي أقصر الطرق لفرض المركزية، وهو ما طبقه ببراعة عبر قطع خطوط الإمداد وحصار المناطق إدارياً قبل دخولها عسكرياً.
البحث عن حليف موثوق
أثبتت الوقائع أن الاعتماد على حلفاء عابرين للحدود (مثل الولايات المتحدة) دون وجود عمق استراتيجي محلي هو انتحار سياسي.
ويرى محللون أن الحليف الطبيعي والموثوق للكرد يجب أن ينبع من داخل النسيج الجيوسياسي للمنطقة.
ويقول الصحفي الكردي محمود ياسين إن "العرب الشيعة" في العراق وسوريا، هم شريك استراتيجي محتمل يتقاسم الكرد معهم هواجس "المركزية الإقصائية" وتاريخ المظلومية.
ويرى آخرون أن بناء تحالف كردي-شيعي متين يرتكز على توازن المصالح والاعتراف بالحقوق الدستورية هو الصد الوحيد المتبقي لمنع تكرار "نموذج الشرع" في أماكن أخرى.
التحذير هنا موجه بشكل مباشر للداخل العراقي؛ إذ إن النجاح الذي حققه أحمد الشرع في الالتفاف على الكرد وتفكيك قوتهم قد يغري "حاكماً سنياً" مستقبلياً في بغداد لتكرار ذات السيناريو، عبر الانقضاض على مكتسبات إقليم كردستان الدستورية تحت شعارات "فرض السيادة" و"هيبة المركز"، مستغلاً في ذلك أي تغير في المزاج الدولي أو غطاء إقليمي مشابه لما حصل في دمشق، وهو ما يكرره ياسين.
وقال على صفحته في فيسبوك "السنة العرب الذين يعيشون في إقليم كردستان سعداء بما جرى (على الكرد) في سوريا.
نهاية "لعبة الأمم" الصغرى
إن ما جرى في الـ 48 ساعة الماضية لم يكن فشلاً عسكرياً فحسب، بل كان فشلاً في قراءة التحولات الكبرى في عقلية صانع القرار في واشنطن ودمشق. لقد نفذ الشرع "الخطة ب" مستخدماً توماس براك كجسر عبور نحو استعادة السيادة المركزية.
الكرد اليوم أمام خيار وحيد: إعادة تموضع استراتيجي يبحث عن حلفاء "جغرافيين" دائمين، بعيداً عن وهم الحماية الأمريكية التي أثبتت التجربة السورية أنها تنتهي دائماً بـ "هبوط اضطراري" قاسم للظهر.

