إعداد رامن سيمون وإيهاب سلمان وكردو جمال

بغداد/دمشق/أربيل/واشنطن (هذا اليوم)- في واحدة من أكثر التحولات الجيوسياسية تعقيداً وخطورة منذ عام 2011، تشهد منطقة "الهلال الخصيب" إعادة تشكيل جذرية لمعادلات القوة والنفوذ، إثر ما بدا انه استهداف لمشروع "الإدارة الذاتية" الكردية في سوريا خلال أقل من 48 ساعة.

ويأتي هذا التطور المتسارع الذي لا يمكن التنبؤ به بالتزامن مع بدء القوات الأمريكية تنفيذ انسحاب تكتيكي من قواعدها في غرب العراق.

وتُفصح القراءات الاستخبارية المعمقة عن تنفيذ دقيق لما عُرف في الأوساط الضيقة بـ "الخطة ب"، وهي استراتيجية محكمة هندسها الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع، لتلقي بتداعياتها المباشرة والخطيرة على الأمن القومي العراقي، في ظل تصاعد المؤشرات المقلقة حول احتمالية استنساخ سيناريو الانهيار الحدودي لعام 2014.

تفاصيل صفقة "شرق الفرات"

أفضت التطورات المتسارعة التي شهدتها الساعات الماضية إلى تغيير جذري في خريطة السيطرة العسكرية في سوريا، حيث بسطت الحكومة المركزية في دمشق سيطرتها الكاملة على محافظتي الرقة ودير الزور، منهية بذلك حقبة "الفيدرالية" التي دامت لسنوات.

ووفقاً لمصادر ميدانية وتقارير متطابقة، فإن هذا التحول لم يكن وليد صدفة عسكرية، بل نتاج صفقة سياسية-أمنية معقدة.

محاولة تفكيك "قسد"

تشير المعلومات الميدانية إلى أن وحدات الجيش السوري، مدعومة بقوات "الأمن الداخلي" المركزية، تسلمت رسمياً إدارة حقول النفط الكبرى (حقل العمر، وحقل التنك) ومعامل غاز "كونيكو" في ريف دير الزور الشرقي.

وجاءت عملية التسليم والاستلام بسلاسة مريبة، حيث انسحبت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مواقعها الحصينة تاركة الأسلحة الثقيلة ومعدات الاتصال، تنفيذاً لبنود الاتفاق الذي رعاه المبعوث الأمريكي توماس براك.

وينص الاتفاق، الذي اطلعت "هذا اليوم" ومصادر خاصة على بنوده، على حل الهيكلية العسكرية لـ "قسد" بشكل كامل، ودمج المقاتلين الراغبين في الاستمرار كأفراد (وليس كوحدات) ضمن الفيلق الخامس في الجيش السوري ووزارة الداخلية، مع اشتراط "التدقيق الأمني" لكل عنصر، وإبعاد القيادات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني خارج الأراضي السورية.

الدور التركي وإعلان "النصر"

لم يتأخر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في استثمار الحدث، معتبراً في تصريحات رسمية أن "مرحلة الإرهاب على الحدود الجنوبية قد انتهت".

ويعكس الموقف التركي تنسيقاً عالي المستوى مع حكومة الشرع؛ حيث ضمنت أنقرة عبر هذا الاتفاق إزالة "الخطر الكردي" دون الحاجة لشن عملية برية مكلفة، مكتفية بضمانات دمشق بضبط الحدود ومنع أي نشاط لحزب العمال الكردستاني انطلاقاً من الأراضي السورية.

هندسة الانقلاب الاستراتيجي

تكشف وثائق استخبارية ومصادر مطلعة أن ما يجري اليوم هو التطبيق العملي لاستراتيجية طويلة الأمد وضعها أحمد الشرع (المعروف سابقاً بالجولاني) منذ سنوات، وعرفت في الأوساط الضيقة بـ "الخطة ب".

اعتمدت استراتيجية الشرع على مبدأ "المرحلية الوظيفية". ففي المرحلة الأولى (مرحلة إسقاط النظام السابق)، أظهر الشرع مرونة تكتيكية عالية تجاه المكون الكردي، مقدماً وعوداً غامضة حول اللامركزية والحقوق الثقافية لضمان تحييد الجبهة الشرقية.

إلا أن "الخطة ب" كانت تقضي بأنه بمجرد استلام السلطة المركزية في دمشق، والحصول على الشرعية الدولية، سيتم الانقلاب على هذه التفاهمات لاستعادة "السيادة المطلقة"، وهو ما تحقق بالضبط. ووقع الاتفاق قائد قسد مظلوم عبدي الاتفاق على مضض عبر الهاتف.

ومن المقرر أن يلتقي الشرع عبدي في وقت لاحق من الاثنين.

واستغل الشرع "فائض القوة" الذي يمتلكه الآن (الجيش الفصائلي، الغطاء الجوي، والدعم الإقليمي من تركيا والسعودية) لفرض شروطه على المقاتلين الكرد الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين "مطرقة" الجيش السوري و"سندان" التهديد التركي، مع غياب تام للظهير الأمريكي.

عقيدة "توماس براك" والانسحاب من العراق

لا يمكن فصل الانهيار الكردي في سوريا عن التحركات الأمريكية المريبة في العراق، وتحديداً في قاعدة "عين الأسد". يربط المحللون الاستراتيجيون بين الحدثين عبر محور "تغير العقيدة الأمنية" لإدارة الرئيس ترامب.

لم تكن القوة العسكرية وحدها هي التي حسمت المعركة، بل اعتمدت "الخطة ب" على ركيزتين ناعمتين مهدتا الطريق لدخول الجيش السوري دون مقاومة تذكر:

رصدت التقارير الاقتصادية تحسناً فورياً ودراماتيكياً في سعر صرف الليرة السورية، التي قفزت إلى مستويات قياسية (ما بين 11,000 إلى 12,000 ليرة للدولار) فور إعلان السيطرة على حقول النفط في دير الزور.

هذا التحسن السريع، وما رافقه من وعود بإنهاء أزمة الكهرباء والمحروقات، منح حكومة الشرع "شرعية إنجاز" فورية لدى الحاضنة الشعبية المنهكة، مما جعل فئات واسعة من السكان تتقبل عودة المركزية كطوق نجاة اقتصادي، وهو ما سحب البساط من تحت أقدام الإدارة الذاتية التي كانت تعاني أصلاً من أزمات معيشية.

حصان طروادة

تشير المعلومات الاستخبارية إلى أن الانهيار السريع لخطوط دفاع "قسد" لم يكن بسبب التفوق العسكري لدمشق فحسب، بل نتيجة "اتفاقات عشائرية سرية" أبرمها الشرع مسبقاً مع وجهاء عشائر دير الزور والرقة المؤثرين (وتحديداً قبائل العكيدات والبكارة).

لقد عملت هذه العشائر كـ"حصان طروادة" من الداخل؛ حيث رفضت أبناؤها القتال في صفوف قسد لحظة الهجوم، بل وسهلت بعض العشائر دخول وحدات الجيش السوري وتأمين الطرق لها، انتقاماً من سياسات التهميش التي مارستها القيادات الكردية سابقاً، مما جعل القوات المدافعة تجد نفسها مكشوفة الظهر وبلا حاضنة اجتماعية.

من "حرب الوكلاء" إلى "تحالف الدول"

يمثل المبعوث الأمريكي الحالي، توماس براك، تياراً جديداً في البنتاغون والخارجية الأمريكية يرى أن زمن الاعتماد على "الجهات الفاعلة من غير الدول" مثل قسد قد ولى.

العقيدة الجديدة، التي يروج لها براك والأدميرال براد كوبر، تقوم على أن المصالح الأمريكية تتحقق بشكل أفضل وأرخص من خلال التعامل المباشر مع حكومات مركزية قوية في دمشق وبغداد، قادرة على ضبط الأمن الداخلي دون الحاجة لانتشار عسكري أمريكي مباشر.

تؤكد مصادر عسكرية عراقية وغربية بدء القوات الأمريكية عمليات إخلاء لمعدات حساسة ومنظومات رصد من قاعدة "عين الأسد" في الأنبار.

هذا الانسحاب التكتيكي يحمل دلالتين خطيرتين:

  • الدلالة الأولى: رفع الغطاء الأمريكي عن المنطقة الغربية للعراق والمنطقة الشرقية لسوريا، مما يترك فراغاً أمنياً سارعت دمشق لملئه، بينما لا تزال بغداد في حالة ارتباك.
  • الدلالة الثانية: إعطاء ضوء أخضر ضمني للقوى الإقليمية (تركيا وسوريا) لترتيب أوراق المنطقة وفق مصالحها، وهو ما يفسر الصمت الأمريكي المطبق تجاه دخول الجيش السوري لمناطق النفوذ الأمريكي السابق.

الأمن القومي العراقي.. الخطر الوجودي

يمثل العراق المتضرر الأكبر من هذه التحولات، حيث يجد نفسه أمام "عاصفة كاملة" من التهديدات الأمنية التي تعيد للأذهان أجواء عام 2014.

تفيد تقارير استخبارية عراقية من وزارة الدفاع ومستشارية الأمن القومي بأن الشريط الحدودي المحاذي لمحافظة نينوى (الموصل) وتحديداً مناطق "البعاج" و"ربيعة" وصولاً إلى "فيشخابور"، يعد الحلقة الأضعف في منظومة الدفاع العراقية.

  • المخاوف تتركز على:

تسلل فلول داعش: الفوضى المرافقة لعملية التسليم والاستلام في الجانب السوري قد تدفع بمئات العناصر الإرهابية للتسلل نحو الصحراء العراقية الغربية ووادي حوران.

النزوح المسلح: احتمالية هروب عناصر حزب العمال الكردستاني وعوائلهم من سوريا باتجاه جبال قنديل وسنجار عبر الأراضي العراقية، ما قد يستدعي تدخلاً عسكرياً تركياً يخرق السيادة العراقية لملاحقتهم.

  • قنبلة السجون الموقوتة (ملف الـ 9000 إرهابي)

يشكل ملف السجون في شمال شرق سوريا (سجن غويران، سجن الشدادي، ومخيم الهول) الكابوس الأكبر لبغداد.

وتضم هذه المنشآت قرابة 9000 مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية، بينهم قيادات خطيرة من "الخط الأول"، وفق مصادر امنية.

لغز الصمت الإسرائيلي.. الموافقة الضمنية

في زاوية أخرى من المشهد الإقليمي، يسود صمت مطبق ومريب في تل أبيب تجاه عودة الجيش السوري للحدود الشرقية.

يقرأ المحللون هذا الصمت على أنه "ضوء أخضر" إسرائيلي غير معلن. ففي الحسابات الإسرائيلية البراغماتية، وجود "ديكتاتور مركزي" قوي (مثل الشرع) يضبط الحدود ويمنع الفوضى، أفضل بكثير من استمرار حالة "اللامركزية" التي قد تسمح بتمدد الميليشيات الإيرانية أو نشوء بؤر توتر غير منضبطة. ويحاول الشرع شيطنة قسد ويقول إن تأوي "أزلام النظام البائد" وبالتالي من يدعمهم، أي طهران.

بمعنى آخر يحاول الشرع أن يسوق أن إيران تضع قدماً لها في مناطق شمال شرق سوريا، لكنه يغض النظر عن الوجود التركي.

يبدو أن تل أبيب قد تلقت ضمانات (عبر القناة الأمريكية) بأن "سوريا الجديدة" ستكون منشغلة بإعادة الإعمار وتثبيت الحكم الداخلي، ولن تكون منصة لتهديد إسرائيل، وهو ما يفسر عدم اعتراض سلاح الجو الإسرائيلي على تحركات أرتال الجيش السوري الضخمة باتجاه الشرق.

الغطاء الإعلامي العربي.. نهاية "الاستثناء الكردي"

لعل أخطر ما واجهه المشروع الكردي في الساعات الماضية لم يكن السلاح فقط، بل "العزلة الإعلامية العربية".

ورصد المراقبون تطابقاً نادراً ومذهلاً في الخطاب الإعلامي بين الأقطاب المتنافسة عادة (قناة الجزيرة القطرية، والقنوات السعودية كالعربية والحدث).

اتفقت هذه المنصات جميعها على تأطير الحدث بوصفه "استعادة للسيادة الوطنية" و"عودة الثروات لبيت المال السوري"، متخليّة عن أي نبرة تعاطف سابقة مع "قسد".

هذا الإجماع الإعلامي يعكس قراراً سياسياً موحداً في العواصم الخليجية (الرياض والدوحة) بدعم تثبيت أركان حكم الشرع، ورفع الغطاء السياسي عن أي مشروع فيدرالي، مما جرد القيادة الكردية من أي ظهير عربي وحولها في نظر الرأي العام العربي من "شريك في محاربة الإرهاب" إلى "حركة انفصالية" يجب احتواؤها.

سيناريو "هدم الأسوار"

هناك خشية حقيقية من حدوث تواطؤ أو إهمال متعمد خلال عملية انتقال السيطرة من "قسد" إلى القوات السورية، مما قد يؤدي لهروب جماعي لهؤلاء.

وحذر السيد مقتدى الصدر في بيانه الأخير من وجود "مخطط" لتهريب هؤلاء بتنسيق مع أطراف خارجية (أشار إليها بـ "البعث" في الأردن)، داعياً لتسليم المعتقلين العراقيين فوراً.

ويستحضر الخبراء الأمنيون "عقدة 2014" عند قراءة المشهد الحالي.

ففي عام 2014، كانت التقارير الحكومية تؤكد أن الحدود مؤمنة، قبل أن تسقط الموصل بيد بضعة مئات من المسلحين القادمين من سوريا.

اليوم، تتكرر نفس الظروف الموضوعية: انسحاب أمريكي، تفكك قوة حدودية (قسد)، وارتباك في القيادة والسيطرة، مما يجعل سيناريو الاختراق وارداً بشدة، خاصة في ظل ضعف الجهد الاستخباري في المناطق الصحراوية.

ورقة السجون الذهبية

خلف الكواليس العسكرية المعلنة، ثمة معطيات استراتيجية بالغة الخطورة تتعلق بملف المعتقلين، مما يشير إلى أبعاد أعمق للأزمة.

يرى مراقبون أن سيطرة الشرع المرتقبة على سجون داعش في الحسكة ودير الزور، دون قتال، ستقدم له "ورقة ضغط على طبق من ذهب" في مواجهة المجتمع الدولي.

فبامتلاكه مفاتيح زنازين أخطر إرهابيي العالم، يتحول الشرع من "قائد انتقالي" إلى شريك أمني لا غنى عنه للغرب.

هذه السجون ستكون "ورقة رابحة" يبتز بها العواصم الأوروبية وحتى بغداد، سواء للمطالبة بالاعتراف الشرعي الكامل بحكومته، أو لفرض شروط التفاوض حول ملف إعادة المقاتلين الأجانب، مما يجعله المتحكم الوحيد في "صمام الأمان" الذي يخشاه الغرب.

وفي مشهد يعزز فرضية "الخيانة" التي طعنت قسد من الداخل، يسود تناقض صارخ ومريب بين الواقع الميداني والخطاب الإعلامي.

فبينما يتم تسليم المناطق الحيوية للجيش السوري بناءً على اتفاقات القيادة العليا، لا تزال "الإدارة الذاتية" تصدر حتى لحظة كتابة هذا التقرير بيانات حماسية تدعو السكان لـ "النفير العام" وتحثهم على حمل السلاح لمواجهة "تقدم حكومة دمشق".

هذا الانفصام يؤكد وجود شرخ عميق؛ فإما أن القيادة العسكرية (مظلوم عبدي) قد أبرمت صفقة سرية بمعزل عن الجناح السياسي، أو أن هناك عملية تضليل متعمدة لترك القواعد الشعبية تواجه مصيرها، مما يسهل عملية الانهيار السريع ويمنع تشكل أي مقاومة منظمة ضد القوات "الانغماسية" القادمة من دمشق.

مفارقة الموقفين السني والشيعي تجاه الفيدرالية

يكشف المشهد الإقليمي عن "تناقض صارخ" في المزاج العام السني العربي، تحكمه هوية "الحاكم" في العاصمة المركزية. يلاحظ محللون كرد وعراقيون أن الحاضنة السنية العربية التي أيدت تاريخياً (أو تعاطفت مع) طموحات إقليم كردستان العراق بالانفصال عن بغداد، انطلاقاً من رفضها لحكم "الأغلبية الشيعية"، هي ذاتها التي ترفض اليوم بشراسة أي شكل من أشكال الفيدرالية في سوريا، وتصفق لمركزية أحمد الشرع "السني".

هذه الازدواجية تؤكد أن الرفض أو القبول ليس مبنياً على مبدأ "حق الشعوب" أو "شكل الدولة"، بل على "الهوية الطائفية للقابض على السلطة".

ويذهب محللون كرد للقول بأن سنة العراق الذين يخشون اليوم من "الفوضى" في سوريا، يحلمون في قرارة أنفسهم بظهور "شرع عراقي" (حاكم سني قوي) يعيد فرض المركزية على أربيل والسليمانية، تماماً كما فعل نظيره السوري في الرقة والحسكة، مما يجعل الهواجس الكردية في العراق وجودية وليست مجرد مخاوف أمنية عابرة.

على المقلب الآخر، لا يبدو الموقف السياسي الشيعي (خاصة القوى الفاعلة في بغداد) أقل تناقضاً. فبينما تبدي هذه الأوساط تعاطفاً ودعماً سياسياً لطموحات الكرد في سوريا للحفاظ على "إدارتهم الذاتية" نكايةً بالحكم السني المركزي الجديد بقيادة الشرع (بهدف إضعافه ومنعه من الاستقواء)، فهي تمارس أقصى درجات المركزية الخانقة ضد إقليم كردستان العراق.

تتجلى هذه المفارقة الميكافيلية في أن بغداد التي قد تذرف الدموع على ضياع حقوق الكرد في القامشلي، هي ذاتها التي تستخدم "سلاح الرواتب" والموازنة وقرارات المحكمة الاتحادية لتقويض الكيان الدستوري لإقليم كردستان، ساعية لتحويله إلى مجرد محافظات تابعة إدارياً ومالياً لبغداد.

هذا التناقض يثبت أن "الفيدرالية" في العرف السياسي الإقليمي ليست مبدأً دستورياً لإدارة التنوع، بل هي "تكتيك وظيفي"؛ يتم دعمها لإضعاف خصم (كما يريد الشيعة لشرع سوريا)، ويتم محاربتها لتركيع شريك.

المحصلة النهائية هي أن الكرد على جانبي الحدود يدفعون ضريبة هذا النفاق المزدوج: يُذبحون بسكين المركزية السنية في سوريا، ويُحاصرون بسوط المركزية الشيعية في العراق.

التسلسل الزمني للأحداث

يرصد هذا الجدول الزمني الدقيق تسلسل الأحداث خلال الـ 72 ساعة الماضية، والذي أفضى إلى المشهد الحالي:

  • 16 كانون الثاني 2026 (الجمعة مساءً): اجتماع سري في قاعدة أمريكية بالحسكة ضم توماس براك (المبعوث الأمريكي) ومظلوم عبدي (قائد قسد) ومندوبين عن أحمد الشرع. في هذا الاجتماع، أبلغ براك الأكراد بقرار "رفع الغطاء" وضرورة القبول بشروط دمشق.
  • 17 كانون الثاني 2026 (السبت صباحاً): إصدار الرئيس أحمد الشرع مرسوماً جمهورياً يمنح "حقوقاً ثقافية" للأكراد كبادرة حسن نية تمهيدية، تلاها بدء تحشيد عسكري ضخم للجيش السوري على تخوم مدينة "الطبقة".
  • 17 كانون الثاني 2026 (السبت ظهراً): انهيار المفاوضات الجانبية ومحاولة بعض فصائل قسد المقاومة، مما أدى لاشتباكات محدودة سرعان ما توقفت بعد تهديد أمريكي بقطع الإمداد الفوري.
  • 18 كانون الثاني 2026 (الأحد صباحاً): توقيع "اتفاق الاندماج" رسمياً في دمشق دون أن يحضر عبدي لكن ذلك جرى عبر الهاتف كما يقول الشرع في تصريح صحفي. بنود الاتفاق الـ 14 تضمنت تسليم السلاح الثقيل والمعابر والنفط.
  • 18 كانون الثاني 2026 (الأحد عصراً): بدء انسحاب قسد من الرقة وريف دير الزور. توثيق دخول أولى طلائع القوات السورية إلى حقل العمر النفطي.
  • 18 كانون الثاني 2026 (الأحد مساءً): رصد حركة طيران كثيفة وعمليات نقل معدات من قاعدة "عين الأسد" العراقية باتجاه الأردن، في مؤشر على بدء الإخلاء الأمريكي.
  • 19 كانون الثاني 2026 (الاثنين صباحاً - اليوم): الرئيس التركي يعلن "انتهاء عهد الإرهاب". الجيش السوري يرفع العلم في ساحة الرقة الرئيسية.
  • 19 كانون الثاني 2026 (الاثنين ظهراً): وزارة الدفاع العراقية تعلن "الإنذار ج" على الحدود الشمالية الغربية وترسل اللواء المدرع التاسع لتعزيز قطاع الموصل-ربيعة.
  • 19 كانون الثاني 2026 (الاثنين عصراً): صدور بيان الصدر المحذر من "شذاذ الآفاق" والمطالب بتسلم المعتقلين العراقيين فوراً.
  • 19 كانون الثاني 2026 (الاثنين مساءً): تقارير عن اشتباكات غامضة في محيط سجن "الشدادي" وسط أنباء غير مؤكدة عن فرار عدد من السجناء، واتهامات متبادلة بين قسد ودمشق حول المسؤولية.

السيناريوهات المتوقعة

بناءً على المعطيات أعلاه، يتجه المشهد نحو أحد السيناريوهات التالية:

  • السيناريو الأول (الاحتواء الناجح): نجاح الجيش السوري في ضبط الأمن بسرعة في المناطق الجديدة، وتنسيق أمني عالٍ بين بغداد ودمشق لإغلاق الحدود، مما ينهي خطر داعش، ويفتح الطريق التجاري البري بين العراق وسوريا وتركيا.
  • السيناريو الثاني (الفوضى الخلاقة): فشل عملية الدمج السريع لقوات قسد، وحدوث تمردات داخلية، مما يخلق فراغاً أمنياً يستغله تنظيم داعش لشن هجمات منسقة على الحدود العراقية واقتحام السجون، وهو السيناريو "الكابوس" لبغداد بل وحتى دمشق.
  • السيناريو الثالث (الصدام الإقليمي): تدخل تركي بري لملاحقة عناصر العمال الكردستاني الفارين باتجاه العراق، مما يؤدي لصدام مع القوات العراقية أو الحشد الشعبي، ويحول غربي العراق وشماله إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة.

ويخشى مسؤولون من أن يكون العراق وحيداً أمام تبعات هذا السقوط، وسط مطالب بقرارات سيادية عاجلة تتجاوز "التطمينات الإعلامية" لتصل إلى مستوى الجاهزية القتالية الفعلية على الأرض، خاصة أن التاريخ القريب أثبت أن النار في سوريا سرعان ما تحرق أصابع الجوار.