الموصل (هذا اليوم)- بأصابع مرتعشة تشبه في تشققها جغرافيا الجبال التي خذلت أصحابها، يشد بافي بيران طرف "جامدانيته" الحمراء فوق رأسه المثقل بالهزيمة؛ يجلس آزاد في مقهى متواضع بقلعة أربيل التاريخية، يحدق في الفراغ وكأنه يرى دخان "الحسكة" من بعيد.
لم يدر بخلد هذا الرجل، الذي شهد صعود "الإدارة الذاتية" عام 2012، أن يرى حلمه يتلاشى في 96 ساعة فقط؛ هي المهلة التي منحتها دمشق لدمج الشمال في الدولة المركزية التي تريدها أنقرة وواشنطن والدوحة والرياض.
على بعد نحو 150 كيلومتراً، في "باب السراي" بالموصل، يمسح أبو عمر الحياني الغبار عن دفاتر حساباته القديمة؛ بالنسبة له، فإن عودة الدولة المركزية في سوريا ليست مجرد تغيير في الأعلام، بل هي استعادة لـ "رئة" نينوى.
يقول الجبوري، وهو رجل ستيني، بينما يتحسس راحة يديه الخشنتين "الموصل وحلب توأمان، وبينهما تجارة لم تقطعها إلا الحروب، واليوم ننتظر فتح معبر (ربيعة - اليعربية) ليعود الحرير السوري إلى أسواقنا".
ترحيب سني بإعادة توحيد سوريا
هذا التباين الشعبي يتردد فيما يبدو في أروقة السياسة. ويعتقد أثيل النجيفي، محافظ نينوى الأسبق، أن استقرار سوريا تحت قيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع هو "مصلحة قومية لنينوى".
النجيفي الذي يميل لفتح ممرات تجارية مع تركيا وقطر، قلل من شأن المخاوف الأمنية، معتبراً أن تنظيم "داعش" فقد بيئته الحاضنة بعد أن أذاق الناس جحيماً لا يُنسى، مشيراً إلى أن الأولوية الآن هي لخطوط التجارة الدولية التي ستربط الموصل بالعالم عبر الموانئ السورية.
وفي بغداد، اتخذ الصراع بعداً آخر، فقد شن الشيخ خميس الخنجر، مؤسس تحالف السيادة، هجوماً حاداً على التلفزيون الرسمي العراقي.
و انزعج الخنجر من بث القناة الرسمية تقارير "مناوئة" للعهد الجديد، تضمنت شهادات حول انتهاكات بحق نساء كرديات؛ وهي تقارير وصفها الخنجر بـ "الضخ الطائفي" الذي يهدد السلم الداخلي.
ويرى الخنجر أن التواصل الهاتفي الأخير بين رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وأحمد الشرع يضع النقاط على الحروف، ويوجب على الإعلام الرسمي تبني لغة "متزنة" تحمي مصالح العراق العليا. وفي خضم هذا الشد والجذب ثمة من لهم طموحات اقتصادية معيشية سردها النجيفي بنفسه.
ويقول سعدون الخالدي، وهو شاب من الموصل يطمح لتأسيس شركة نقل بري، انه يرى في الاتفاقات الجديدة "طوق نجاة" لآلاف الشباب العاطلين عن العمل.
داخل إقليم كردستان، يعيش عشرات الصحفيين حالة من "التقية السياسية". شمدين عاصي، صحفي سوري نازح في دهوك، يراقب التطورات بحذر؛ يقول بلهجة حزينة: "الكل سعيد بعودة المركزية لأنها تعني التجارة، لكن لا أحد يسأل عن الثمن الإنساني".
ويلمح بعض هؤلاء الصحفيين في كتاباتهم المواربة إلى "غبطة" حذرة بانهيار الإدارة الذاتية.
خيبة الأمل الكردية تعمقت مع تصريحات واشنطن؛ فقد اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الكرد "لم يعملوا يوماً لصالح أمريكا"، معبراً عن إعجابه بقوة أحمد الشرع في حسم الملفات.
هذا الموقف ترجمه المبعوث الأمريكي براك بإعلان رسمي مفاده أن "مهمة قسد قد انتهت"، مما ترك مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية في جيوب صغيرة بالحسكة وكوباني يواجهون مصيراً مجهولاً أمام فصائل توصف بالتشدد وتدعم الجيش السوري الجديد.
وبين وعود النجيفي بالرخاء الاقتصادي، وغضب الخنجر من "إعلام بغداد"، وانكسار بافي بيران الذي يضع رأسه بين كفيه فوق قلعة أربيل، تبدو الخارطة السورية-العراقية وكأنها تُعاد صياغتها بالدم والذهب؛ وبينما ينتظر العالم تفعيل مهلة الـ4 أيام لدمج ما تبقى من الشمال، يبقى الحزن الكردي هو الحقيقة الوحيدة الصارخة في أزقة الإقليم، حيث يُدرك الجميع أن العدالة الدولية قد سقطت مجدداً أمام بريق "الدول المركزية القوية".
من ماهر العلي