واهم من يعتقد أن الدول تبنى على أسس الصداقة أو حسن الجوار أو أي مبدأ أخلاقي آخر، إنما على قاعدة أكثر خبثا ودهاء مفادها "نظام يخشى نظاماً".. هذا ببساطة ما يتبناه مطبخ واشنطن.
لا تبحث السياسة الأمريكية عن جارٍ يحترم جاره اطلاقا ، بل عن جارٍ يتحسس رقبته كلما نظر إلى الضفة الأخرى، جارٍ يخاف ويُخاف، وفي هذا الجو المشحون بل المسموم بـ "اللايقين"، ثمة انتعاش لصفقات الوكلاء وصرف سخي لمكافآت الصعود السريع.
دخلت المنطقة مرحلة "عقود الإيجار السياسية"، وأمريكا اليوم لا تمنح صكوكا ملكية دائمة، بل توزع مكافآت محددة السقوف، ومرتبطة بتاريخ صلاحية لا يرحم، فكل زعيم، أو رئيس مرحلة، أو حتى "قائد واقع" يجد نفسه فجأة فوق سدة الحكم، عليه أن يدرك أنه لا يجلس هناك بفضل عبقريته العسكرية، بل لأنه صرف "شيكاً أمنياً" في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب.
الشرع.. ووشاية القصر
لا يمكن استثناء ما حدث في سوريا مؤخرا، فالتخلي عن قوات سوريا الديمقراطية (الكرد بالتأكيد) هو النموذج الأحدث لسياسة المكافآت. أحمد الشرع (الجولاني)، الذي خلع ثوب "القاعدة" وارتدى بدلة "رجل الدولة"، لم يصل إلى دمشق إلا بعد أن رتب أوراقه الكثيرة خلف الكواليس عبر وسطاء أمنيين بارعين.. يتحدث العارفون بخفايا الأمور عن "خدمات جليلة" قُدمت على طبق من ذهب للمخابرات الدولية؛ حتى أن "داعش" نفسه، لطالما ألمح إلى أن رأس "البغدادي" كان الثمن الذي قبض الجولاني ثمنه "إقامة في القصر".. وهي إقامة محددة بصلاخية محددة.
الجولاني، "رجل الصفقات" بامتياز، استثمر سنواته في جيب إدلب ليحول فصيله إلى جيش، وهيئته إلى سلطة، منتظرا بذلك لحظة نضوج "المكافأة الكبرى"، وهو يطمح اليوم لأن يكون "صدام حسين" السوري؛ الرجل القوي الذي يزعم انه يضبط الفوضى ويقمع التطرف، لكنه "صدام" بنسخة الصديق الوفي للبيت الأبيض، الذي لا ينسى الفضل، ولا يخرج عن النص المرسوم.. فذاك ابوه اسمه حسين. وأنا أبي اسمه حسين!
رجل الظل
لم يكن الشرع حقيقة يوما مقاتلا عقائديا، بل رجل الظل الذي أتقن فن التزوير واللعب بالهويات والصفقات، والدليل ان التاريخ القريب يشهد كيف انطوت حيلته الكبرى على العراق وأهله، حين تقمص الشخصية العراقية وكان مسجونا باسم عراقي وجنسية عراقية، وظهر ملثما عبر الشاشات والفضائيات بأسماء مستعارة ومناصب وهمية، متلاعب بالحقائق والمواقف تحت عباءة ابن البلد.
لم يكن ذلك التخفي لأسباب أمنية ، بل تجسيداً لدوره الحقيقي بصفة رجل المخابرات الأول المتغلغل في أحشاء التنظيمات ، والمهندس البارع للاختراقات من الداخل. واليوم، يعيد الشرع إنتاج نفسه كـصدام حسين السوري مستندا لى تلك الخبرة في إدارة الولاءات وصناعة الخوف، ومدركا أن القوة في هذا المكان من الشرق لا تؤسس على المبادئ كما أسلفنا، بل على القدرة الفائقة على الخداع والبطش تحت غطاء الصفقات الكبرى التي تباركها الغرف المظلمة.
المركزية السنية في مواجهة المركزية الشيعية
ربما تذهب اللعبة الأمريكية إلى أبعد من تنصيب وكيل، لماذا؟ لأن الرؤية القادمة تقوم على خلق استقطاب حاد: "مركزية سنية" صاعدة في دمشق، تقابلها "مركزية شيعية" متجذرة في بغداد، وبينهما لا توجد حدود للسلام، بل "شعرة واحدة" من التوتر القلق.
وهذا ما تريده واشنطن فهي تريد لدمشق وبغداد أن تظلا في حالة ترقب دائم، حيث الخوف هو المحرك الوحيد للسياسة، والتبعية للغرب هي الملاذ الوحيد للبقاء، وكلاهما يحتاجان لأمريكا.. وبالتالي لا تزال هذه العواصم تنطوي عليها الالاعيب الأمريكية منذ فجر التاريخ إن صح القول! يا عيب الشوم كما نقولها بالشام.
ويلات العراق القادمة
وفي هذا المخاض العسير، لا يملك المرء إلا أن يقول: "أعان الله حاكم العراق المقبل"، لأنه ببساطة سيجد نفسه وجهاً لوجه أمام استحقاقات مريرة وويلات قادمة لا محالة، فالعراق الذي يراقب الصعود السني الجديد في جاره الغربي، سيضطر للدخول في دوامة الدفاع عن النفس أو الهجوم الاستباقي المستبعد، وهي الدوامة التي صممتها واشنطن بدقة لضمان بقاء الجميع تحت "المظلة" التي تمنحها.
السلام الأمريكي الذي تروج له واشنطن ويلوح في الأفق ليس سلاماً بالمعنى الأخلاقي ، بل هو استقرار يُفرض بالقوة، ويُثبت بالصفقات. لكن هذا النوع من السلام لا يمر عبر صناديق الاقتراع، بل عبر غرف العمليات الاستخباراتية. هو سلام سيأخذ وقتاً طويلاً ليُهضم وقد لا يتحقق لأن التجارب أثبتت ذلك، وبالتالي سيتطلب دماءً كثيرة.. دماءً تسيل لتثبيت كراسي المكافآت.
نظام المكافأة الأمريكي لم يتوقف، وقد يحين وقت وزمن آخر، في انتظار شيء ما يُطبخ خلف الستار لشخص ما، مقابل سياسة ما، لوصول شخص آخر للسلطة.. فالمقاعد في قاعة الانتظار الأمريكية محجوزة دائماً لمن يقدم الخدمة الأكبر..
للمقالة بقية لاحقة.