• الإطار التنسيقي يرشح المالكي رسمياً لرئاسة الوزراء بصفته مرشح الكتلة الأكبر

  • انقسام سني حاد: "المجلس السياسي الوطني" يحذر من "إعادة تدوير الفشل" وائتلاف عزم ينأى بنفسه

  • عودة المالكي تأتي وسط تحديات إقليمية معقدة تشمل الوضع في سوريا وأمن الحدود

  • محللون: الترشيح قد يكون "فخاً سياسياً" لحرق أوراق المالكي في مرحلة حرجة

  • المالكي يراهن على شبكة نفوذه العميقة في القضاء والأمن لاستعادة "هيبة الدولة"

بغداد 24 كانون الثاني (هذا اليوم) – رشح الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم في العراق، مساء السبت، رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لتشكيل الحكومة الجديدة، في خطوة تعيد السياسي المخضرم والمثير للجدل إلى قمة هرم السلطة بعد أكثر من عقد على خروجه منها وسط اتهامات بتأجيج الطائفية وسقوط ثلث مساحة البلاد بيد داعش، وهو ترشيح يرى فيه حلفاؤه ضرورة لفرض الاستقرار، بينما يحذر خصومه من أنه قد يجر البلاد إلى دوامة عنف جديدة.

وقال الإطار التنسيقي في بيان تلا اجتماعاً موسعاً لقادته في مكتب هادي العامري، إن اختيار المالكي (76 عاماً) جاء "انطلاقاً من المسؤولية الوطنية" وبوصفه مرشحاً للكتلة النيابية الأكثر عدداً، مشدداً على أن القرار اتخذ بالأغلبية استناداً إلى "خبرته السياسية والإدارية" ودوره السابق في إدارة الدولة.

ويأتي هذا الإعلان لينهي أسابيع من التكهنات حول هوية رئيس الوزراء المقبل، وليؤكد تمسك القوى الشيعية التقليدية بأسماء "الحرس القديم" لمواجهة ما تصفه بتحديات "استكمال الاستحقاقات الدستورية" والحفاظ على تماسك النظام السياسي الذي تأسس بعد الغزو الأمريكي عام 2003.

ولد نوري كامل المالكي في حزيران عام 1950 في قرية جناجة بمحافظة كربلاء، لعائلة عُرفت بنشاطها السياسي؛ فجده هو الشاعر محمد حسن أبي المحاسن أحد قادة ثورة العشرين. هذا العمل صاغ توجهات المالكي الذي انخرط في حزب الدعوة الإسلامية مبكراً، وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من بغداد ثم الماجستير من جامعة صلاح الدين في أربيل، قبل أن يفر من البلاد عام 1979 هرباً من ملاحقة نظام صدام حسين الذي أصدر بحقه حكماً بالإعدام.

أمضى المالكي نحو 25 عاماً في المنفى بين دمشق وطهران مسؤولاً عن العمل التنظيمي والإعلامي للحزب تحت الاسم الحركي "جواد المالكي"، وهي السنوات التي صقلت شخصيته "الحذرة"، كما يقول مقربون منه، قبل أن يعود إلى العراق عقب الغزو الأمريكي عام 2003.

غير أن الإعلان قوبل برفض فوري وتحذيرات شديدة اللهجة من قوى سنية بارزة، حيث دعا "المجلس السياسي الوطني" في بيان له قادة الإطار التنسيقي الشيعي إلى ما وصفه بتحمل "المسؤولية التاريخية" وتجنب خيارات تعيد إنتاج الأزمات.

وحذر المجلس صراحة من مخاطر "إعادة تدوير تجارب أثبتت عجزها" عن تحقيق الاستقرار، مشيراً إلى القلق الواسع في المحافظات الغربية والشمالية التي عانت من ويلات الحرب والنزوح، مذكّراً بأن تداول أسماء ارتبطت بمراحل سابقة من الحكم يعيد للأذهان حقبة الإخفاقات الأمنية الجسيمة التي مهدت لسيطرة التنظيمات المتشددة على مدن بأكملها، في إشارة مباشرة لفترة حكم المالكي الثانية.

وعلى الرغم من حدة البيان السني، كشفت ردود الأفعال عن تصدعات في جبهة المعارضة قد تصب في صالح المالكي، إذ نأى تحالف "عزم" بنفسه عن بيان المجلس السياسي الوطني.

وقال القيادي في التحالف حيدر الملا إن الموقف الرافض يعبر عن وجهة نظر رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي "بشكل شخصي" ولا يمثل إجماع الكتل السنية، وهو انقسام يرى مراقبون أنه قد يمنح المالكي، المعروف ببراعته في المناورات السياسية، فرصة لتفكيك خصومه وعقد صفقات ثنائية تضمن له تمرير كابينته الوزارية داخل البرلمان، مستغلاً الخلافات العميقة داخل المكون السني لتعزيز موقعه.

وبينما يرى فيه أنصاره "رجل دولة" قوياً وقع بقلمه الأحمر على إعدام صدام، وتصدى للميليشيات في عام 2008، ونجح في إخراج القوات الأمريكية عام 2011، يرى منتقدو المالكي في الداخل والخارج أن سياساته المركزية واحتكاره للملف الأمني هما ما دفعا العشائر السنية إلى التمرد.

ودأب المالكي في المقابلات الصحفية على نفي تهمة الطائفية، مؤكداً أنه استهدف "الخارجين عن القانون" من الشيعة والسنة على حد سواء، وأنه كان ضحية لمؤامرات إقليمية وداخلية.

ويأتي الدفع بالمالكي في توقيت يصفه سياسيون محليون بـ"زمن الأيام العجاف"، حيث يواجه العراق تحديات اقتصادية معقدة ومخاوف من انتقال عدوى الاضطرابات في الجارة سوريا إلى الداخل العراقي.

وتبقى العقبة الأكبر والأكثر تعقيداً التي تعترض طريق المالكي نحو القصر الحكومي كامنة في موقف غريمه الشيعي اللدود، رجل الدين النافذ مقتدى الصدر، الذي يلتزم حتى اللحظة صمتاً يصفه مراقبون بـ"الهدوء الذي يسبق العاصفة".

وتعود جذور العداء الشخصي والسياسي المستحكم بين الرجلين إلى عام 2008، حين شن المالكي حملة عسكرية واسعة بدعم أمريكي عُرفت بـ"صولة الفرسان" لسحق جيش المهدي التابع للصدر في البصرة وبغداد، وهي ذكرى لا تزال حية في أدبيات التيار الصدري.

ويخشى دبلوماسيون غربيون وقيادات سياسية من أن يؤدي تمرير هذا الترشيح إلى استفزاز "الحنانة" ودفع الصدر لتحريك قاعدته الشعبية المليونية للنزول إلى الشارع، مما قد يحول الصراع السياسي من أروقة البرلمان إلى صدام أهلي محتدم في مناطق الوسط والجنوب، مهدداً بانهيار السلم الأهلي الهش.

كما يواجه المالكي تحدياً لا يقل ضراوة يتمثل في تجاوز "الفيتو" غير المكتوب للمرجعية الدينية العليا في النجف، التي أطلقت عام 2014 مقولتها الشهيرة "المجرب لا يُجرب"، والتي كانت السبب المباشر في إزاحته لصالح حيدر العبادي آنذاك.

ورغم أن المقربين من المالكي يروجون لفكرة أن الظروف الحالية القاهرة تستدعي "استثناءات" وتتطلب حزماً لا يملكه غيره، إلا أن اختراق هذا الحاجز النفسي والشرعي يظل معضلة كبرى، خاصة مع عدم صدور أي إشارات واضحة من النجف تفيد بتغير موقفها من الطبقة السياسية القديمة، مما يجعل جلسة منح الثقة المرتقبة اختباراً حاسماً لقدرة "الإطار" على فرض إرادته دون غطاء من المرجعية أو توافق مع الصدر.

ويرى محللون أن ترشيحه قد يكون "مناورة خطرة" أو حتى فخاً سياسياً من منافسيه داخل البيت الشيعي لتحميله وزر المرحلة المقبلة وحرق ورقته السياسية نهائياً، عبر وضعه في مواجهة مباشرة مع شارع ناقم وأزمات خدمات مستعصية قد تعيد إشعال الاحتجاجات الشعبية.

ويقول سياسيون إن عودة المالكي إلى الواجهة تأتي في لحظة "جيوسياسية حرجة" أعقبت الانهيار الدراماتيكي لنظام الأسد في دمشق وصعود نظام جديد بقيادة أحمد الشرع، وهو ما وضع العراق أمام واقع أمني معقد على حدوده الغربية بعد سيطرة القوات السورية الجديدة على معظم المناطق التي كانت تحت نفوذ "قسد".

وبحسب مراقبين، فإن تنازل محمد شياع السوداني عن الترشح لولاية ثانية يُفسّر في أروقة بغداد المغلقة على أنه "انسحاب تكتيكي مدروس"؛ حيث أدرك السوداني أن المرحلة المقبلة، المثقلة بانهيار الهدنة والتهديدات العسكرية المباشرة التي تواجهها إيران، هي بمثابة "محرقة سياسية" قد تعصف بمستقبل أي رئيس وزراء يحاول المناورة بين الألغام.

ويعتقد محللون آخرون أن الإطار التنسيقي دفع بالمالكي -بما يمتلكه من تاريخ في إدارة الأزمات الوجودية- ليكون في "خط المواجهة الأول" أمام عواصف إقليمية غير مسبوقة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، وتضع "الدولة القابضة" في بغداد أمام اختبار البقاء الأخير.