بغداد (هذا اليوم)-- في واحدة من أكثر المقابلات التلفزيونية جرأة، رسم الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني، آراس حبيب، لوحة "سوداوية" لمستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن في ظل إدارة دونالد ترامب الثانية، محذراً من أن العراق لم يعد يواجه "رئيساً أمريكياً" فحسب، بل "حاكماً مطلقاً" للمنطقة، يمثله مبعوث بمواصفات "مندوب سامٍ" لا يؤمن بوجود دولة عراقية من الأساس.
من "سمسرة" سافايا إلى "عدائية" برّاك
ولدى سؤاله عن كواليس التغيير المفاجئ في طاقم الإدارة الأمريكية المعني بالعراق، كشف حبيب عن تفاصيل "مخزية" أحاطت برحيل المبعوث السابق مارك سافايا. وفي معرض حديثه عن أسباب استبداله، قال حبيب إن سافايا "رحل بعد أن فاحت رائحته"، ملمحاً إلى تورطه في عمليات فساد مالي ضخمة مع أطراف عراقية.
وأوضح حبيب أن أطرافاً في بغداد حاولت "شراء الود الأمريكي" عبر دفع مبالغ طائلة لسافايا وصلت إلى قرابة 60 مليون دولار، تم تحويلها عبر قنوات متنوعة مقابل وعود برفع عقوبات أو كسب تأييد سياسي، مضيفاً بمرارة: "جماعتنا بلّشوا بالحوالات وهو بعده بالطيارة.. لو باقين على سافايا كان أشرف لكم مليون مرة من اللي جاي".
وعند الانتقال للحديث عن البديل، توم برّاك، حذر حبيب من أن المنطقة دخلت "المنطقة الحمراء". ووصف برّاك بأنه شخصية "تزدري المكون الشيعي" ولا يخفي قناعته بأن العراق "لا يصلح للديمقراطية".
وكشف حبيب عن لقاء جرى في عام 2025، قال فيه برّاك صراحة إن "العراق مو مال ديمقراطية.. العراقيين ما يفيد بيهم غير النظام الملكي على نموذج السعودية".
تغريدة ترامب و"الوشاية السورية"
وحول التوتر العلني بين ترامب وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، فجر حبيب مفاجأة تتعلق بمصدر المعلومات التي بنى عليها ترامب موقفه. وبسؤاله عما إذا كان الأمر مجرد تقدير سياسي، أكد حبيب أن هناك "ملفاً أمنياً" ذهب من دمشق (تحديداً من أروقة نظام أحمد الشرع) إلى ترامب، يتضمن أرشيفاً كاملاً لتصريحات المالكي السابقة ضد واشنطن.
وبالرغم من هذا الرفض الأمريكي القاطع، يرى حبيب أن المالكي "سيمضي" في مشروع تشكيل الحكومة، لكنه "مضيٌّ نحو التصعيد". وقال حبيب: "السيد المالكي سيمضي.. لكن ترامب سيمضي أيضاً بالتصعيد والحرب"، مشيراً إلى أن العراق يسيء تقدير حجم ترامب الذي بات "العضو الثالث عشر" غير المرئي على طاولة الإطار التنسيقي، والذي يملك القدرة على "ابتلاع النظام" بلمحة بصر.
خيار "تجرع السم" أو "بريمر جديد"
وفي تشخيص للمأزق الوجودي الذي يواجهه الإطار التنسيقي وإيران، دعا حبيب القادة الشيعة إلى الاقتداء بالخميني. وفي معرض سؤاله عن المخرج، قال: "الإمام الخميني عندما قبل بالسلم مع صدام قال (تجرعت السم).. أنتم ليش ما تتجرعون السم للحفاظ على شعبكم؟".
وحذر حبيب من أن الاستمرار في "العنتريات" ومحاربة "طواحين الهواء" الأمريكية سيؤدي حتماً إلى "نقطة اللاعودة". ولدى سؤاله عن شكل تلك النقطة، قال بوضوح: "سيأتيك (بريمر جديد) يحل البرلمان ويغير النظام إلى رئاسي ويصادر كل شيء.. أمريكا قادرة على سحب الحماية عن الأموال العراقية وجعلنا بلداً مفلساً خلال 24 ساعة".
شروط برّاك الثلاثة و"بيع القرى"
وفيما يتعلق بمتطلبات المرحلة لتجنب الصدام المسلح، حدد حبيب شروط "توم برّاك" التي لا تقبل التفاوض:
حل الفصائل المسلحة خارج إطار الحشد ودمجها فعلياً.
تسليم السلاح البالستي للدولة.
التوقف الكامل عن التدخل في شؤون الجوار.
وانتقد حبيب بشدة غياب الذكاء السياسي لدى القوى الحاكمة، مشيراً إلى أن برّاك يرى المنطقة "قبائل وقرى" ويقوم حالياً بـ "قص الخريطة" وفق نفوذ القوى الكبرى.
واستشهد بما حدث لـ "قسد" في سوريا، محذراً من أن ترامب وبرّاك "باعوا حلفاءهم بلحظة"، وأن الدور قد يأتي على إقليم كوردستان أو أي طرف عراقي آخر إذا اقتضت "الصفقة" ذلك.
يأتي هذا التحذير من آراس حبيب، الذي يُعرف بقربه التاريخي من دوائر صنع القرار في واشنطن منذ عهد أحمد الجلبي، في وقت يعيش فيه العراق انسداداً سياسياً حاداً، وتهديدات إسرائيلية بضرب أهداف داخل الأراضي العراقية.
مراقبون يرون أن "الحقبة البرّاكية" (نسبة لتوم برّاك) ستقوم على منطق "الاستحواذ القسري" على الأصول السياسية والاقتصادية للعراق، وتحويله من "دولة حليفة" إلى "منطقة نفوذ" تدار بعقلية الشركات، وهو ما يضع "الإطار التنسيقي" أمام خيارين: الانحناء للعاصفة أو مواجهة "تفكيك النظام" بالكامل.