دبي (هذا اليوم)- على الرغم من أن القمة العالمية للحكومات تُعقد تقليدياً كمنصة لاستشراف المستقبل التقني والإداري للدول، إلا أن رئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني حوّل مشاركته في نسخة 2026 إلى "غرفة عمليات دبلوماسية" عالية المستوى فيما يبدو.

وأظهرت سلسلة الاجتماعات التي عقدها رجل الحكومة القوي كيف أنه تجاوز بروتوكولات الحضور الشرفي إلى صياغة "عقيدة شراكة" جديدة تضع أربيل في قلب معادلات الأمن والطاقة الإقليمية.

وفي توقيت تعيش فيه منطقة الشرق الأوسط مخاضاً عسيراً من التحولات في سوريا والعراق، جاء الحراك المكثف لبارزاني في دبي وأبوظبي ليكرس حقيقة أن إقليم كردستان لم يعد يكتفي بدور "المراقب" للأحداث، بل بات "فاعلاً محورياً" يمتلك القدرة على نسج التحالفات التي تضمن مصالحه العليا في زمن العواصف.

وشكل اللقاء الاستثنائي الذي جمع مسرور بارزاني برئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في قصر الرئاسة بأبوظبي، حجر الزاوية في هذه الزيارة، إذ لم تكن المباحثات مجرد استعراض للعلاقات الثنائية، بل قراءة مشتركة وعميقة لـ "الخرائط المتحركة" في المنطقة، بدءاً من الضبابية التي تلف المشهد العراقي وانتهاءً بالمتغيرات المتسارعة في سوريا.

ويرى محللون أن هذا التناغم في الرؤى بين أربيل وأبوظبي، والذي تعزز بلقاءات نوعية مع أركان الدولة الإماراتية كالشيخ حمدان بن محمد بن راشد والشيخ سيف بن زايد، يعكس قناعة متبادلة بأن الأمن القومي للإقليم هو جزء لا يتجزأ من منظومة الاستقرار الخليجي والعربي، وأن التحالف بين الجانبين انتقل من مرحلة "الصداقة التقليدية" إلى مرحلة "الشراكة المصيرية" في مواجهة التهديدات المشتركة.

وبالتوازي مع الشق السياسي، أدار البارزاني ملف "السيادة الاقتصادية" بحنكة واضحة، حيث لم يذهب إلى دبي باحثاً عن استثمارات عابرة، بل طرح رؤية متكاملة للبنية التحتية الاستراتيجية.

وتصدر مشروع (روناكي) لتجهيز الكهرباء على مدار الساعة، المباحثات مع "عقل الدولة الاقتصادي" في الإمارات ممثلاً بوزيري الصناعة سلطان الجابر والطاقة سهيل المزروعي؛ وهي خطوة تحمل دلالات سياسية بقدر ما هي اقتصادية، إذ يسعى الإقليم عبر هذا المشروع وبدعم إماراتي مباشر، إلى تحصين "أمنه الطاقوي" وتحقيق استقلالية في الخدمات الأساسية، مما يمنح المفاوض الكوردستاني أوراق قوة إضافية في أي حوارات مستقبلية مع بغداد أو المحيط الإقليمي.

ولم يغفل بارزاني عن استثمار المنصة الدولية لتعزيز "الشرعية السياسية" للإقليم في المحيط العربي والدولي، وهو ما تجلى في اجتماعه مع الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ورئيس الوزراء الأردني جعفر حسان.

في هذه اللقاءات، دافع بارزاني- كما هو متوقع منه- عن الحقوق القومية للكرد في سوريا، منتزعاً اعترافاً عربياً بأهمية الدور الكردي في معادلة الاستقرار، وقال إن أربيل هي المرجعية السياسية التي لا يمكن تجاوزها عند رسم أي تسوية مستقبلية للأزمة السورية، فيما فتح لقاؤه مع رئيس وزراء جورجيا ومدير اليونسكو آفاقاً للقوة الناعمة، محولاً التراث الكوردي (قلعة أربيل) إلى بطاقة تعريف عالمية.

وفي مشهد يعكس نضوجاً سياسياً تجاوز الحدود الإدارية للإقليم، لم يحصر بارزاني أجندته في "الهمّ الكردي" فقط، بل بدا في أروقة القمة العالمية وكأنه "صوت العقل العراقي" الجامع؛ إذ حمل ملفات الانسداد السياسي في بغداد، واستحقاقات تشكيل الحكومة الاتحادية، إلى طاولة النقاش مع القادة العرب والأمميين، متحدثاً بلسان "رجل الدولة" الحريص على استقرار العراق برمته.

وقد كرست مباحثاته مع الأمين العام للجامعة العربية ورئيس الوزراء الأردني حقيقة أن أربيل لا تبحث عن النجاة منفردة، بل تطرح نفسها كـ "رئة سياسية" يتنفس منها العراق بأكمله، وشريك لا غنى عنه في إنقاذ العملية السياسية من تعقيداتها، ليثبت بذلك أن مفاتيح الحل في بغداد غالباً ما تُصان في أربيل.

واكتملت هذه اللوحة البانورامية ببعد استشرافي للمستقبل، تمثل في رعاية رئيس الحكومة لإطلاق نجله، آرين مسرور بارزاني، لبرنامج قيادي واعد خلال القمة.

ويقول محللون إن هذه الخطوة قُرئت في الأوساط الدبلوماسية على أنها رسالة "استدامة وثقة"، تؤكد أن إقليم كردستان لا ينشغل فقط بإدارة أزمات الحاضر، بل يستثمر في "صناعة نخب المستقبل" المسلحة بالانضباط والعلم الحديث، لضمان استمرار مسيرة البناء وتوريث قيم الصمود المؤسسي للأجيال القادمة.

بالمحصلة، يغادر مسرور بارزاني الإمارات وقد أعاد تموضع إقليم كردستان على رقعة الشطرنج الإقليمية، ليبرهن بذلك أن الإقليم، رغم التحديات الجغرافية والسياسية، يمتلك مفاتيح "هندسة البقاء" والازدهار، مستنداً إلى تحالفات دولية رصينة، ورؤية اقتصادية طموحة، وقيادة تجيد تحويل الأزمات إلى فرص استراتيجية.