أربيل/واشنطن — يتواصل الحشد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط بوتيرة متسارعة، مع مؤشرات متزايدة على أن أي مواجهة محتملة لن تقتصر على إيران وحدها، بل ستتخذ طابع حرب إقليمية متزامنة تشمل حلفاء طهران في لبنان واليمن والعراق، وفق تقارير إعلامية غربية ومصادر دبلوماسية وأمنية مطلعة.

وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن الولايات المتحدة حشدت خلال الأسابيع الأخيرة أكبر قوة جوية وبحرية في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003، في خطوة تشي بانتقال واشنطن من سياسة الردع التقليدي إلى وضعية جاهزية عملياتية شاملة، مع نشر حاملات طائرات ومقاتلات متقدمة وأنظمة دفاع جوي حول إيران ومحيطها الاستراتيجي.

وأشارت وكالة رويترز إلى أن البنتاغون يضع خططاً لعمليات عسكرية قد تستمر أسابيع إذا تصاعدت الأزمة، مؤكدة أن التحركات تشمل إعادة تموضع الأصول العسكرية الأمريكية في قواعد قريبة من مسارح العمليات المحتملة، مع رفع جاهزية القوات الجوية والبحرية لمستوى يتيح تنفيذ ضربات واسعة النطاق خلال فترة زمنية قصيرة.

وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن الحشد العسكري الحالي يتجاوز كونه إجراءً ردعيا تقليديا ويعكس استعداداً لسيناريو مواجهة إقليمية متعددة الجبهات تستهدف شبكة النفوذ الإيرانية بالكامل في وقت واحد، في محاولة لشل قدرة طهران على استخدام وكلائها تدريجياً في حال اندلاع الصراع وشل اي قدرة لمهاجمة إسرائيل.

وفي السياق ذاته، ذكرت واشنطن بوست أن مسؤولين عسكريين أمريكيين حذروا من مخاطر الانزلاق إلى صراع واسع إذا تم توجيه ضربة مباشرة لإيران، في ظل تقديرات بأن طهران سترد عبر استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة وتفعيل أذرعها المسلحة، وهو ما يعزز فرضية الحرب المتزامنة بدلاً من المواجهة التقليدية المباشرة.

وأشارت صحيفة الغارديان إلى أن واشنطن اتخذت إجراءات احترازية، منها سحب موظفين غير أساسيين من بعثات دبلوماسية في المنطقة، ما يثير مخاوف متزايدة من توسع رقعة التصعيد ليشمل عدة ساحات عمليات في وقت واحد.

وبحسب مصادر أمنية إقليمية، فإن التقدير الاستراتيجي السائد لدى دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب يقوم على أن أي حرب محتملة لن تدار داخل الأراضي الإيرانية فقط، بل ستتزامن مع عمليات ضد حزب الله في لبنان، وضربات لاحتواء الحوثيين في اليمن، واستهداف فصائل مسلحة موالية لطهران في العراق، بالتوازي مع ضربات محدودة ودقيقة داخل إيران تستهدف البنية العسكرية وبرامج الصواريخ.

وتؤكد المصادر أن هذا السيناريو يقوم على مبدأ “الضربة الشبكية المتزامنة”، أي استهداف المحور الإيراني كوحدة واحدة بدلاً من التعامل مع كل ساحة قتال على حدة، وذلك لمنع طهران من توزيع ردودها زمنياً أو استخدام وكلائها بشكل تدريجي لإطالة أمد الصراع واستنزاف الخصوم.

وتشير التقديرات إلى أن واشنطن ترى أن أي مواجهة جزئية مع أحد أذرع إيران دون الأخرى قد تؤدي إلى حرب طويلة غير محسومة، فيما يهدف الخيار المتزامن إلى شل منظومة الردع الإيرانية دفعة واحدة وتقليص مدة العمليات العسكرية إلى أقصر زمن ممكن.

وفي هذا الإطار، تفيد مصادر دبلوماسية واقتصادية بأن دول الخليج ستتحمل العبء المالي الأكبر لأي مواجهة إقليمية واسعة، سواء عبر دعم العمليات العسكرية أو تمويل إعادة تأمين طرق الملاحة وحماية البنية التحتية للطاقة، في ظل قناعة أمريكية بأن استقرار أسواق النفط وحماية الإمدادات العالمية يمثلان أولوية استراتيجية مشتركة.

وتوضح المصادر أن الحسابات الأمريكية تقوم على أن التمويل الخليجي سيشكل ركيزة أساسية لاستدامة العمليات العسكرية في حال اندلاع صراع طويل، خاصة مع ارتفاع تكاليف الذخائر المتقدمة والانتشار البحري والجوي واسع النطاق.

ورغم ذلك، تؤكد مصادر مطلعة أن القرار النهائي بالحرب لم يُتخذ بعد، وأن التحشيد الحالي يهدف إلى خلق ضغط عسكري وسياسي على طهران لدفعها إلى تقديم تنازلات في الملفات النووية والإقليمية، مع إبقاء خيار الضربات المتزامنة مطروحاً في حال فشل المسار الدبلوماسي.

وتخلص التقديرات الاستراتيجية إلى أن المشهد الراهن لا يشير إلى حرب تقليدية مباشرة ضد إيران فحسب، بل إلى استعداد لسيناريو صراع إقليمي شامل ومتعدد المسارات، تُدار عملياته على جبهات لبنان واليمن والعراق بالتوازي مع ضربات داخل إيران، في مواجهة من شأنها ان تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط إذا ما اندلعت خلال المرحلة المقبلة، بحسب محللين.