بعد أن دفع "محور المقاومة" بأكمله ثمن هجوم السنوار - وهو الهجوم الذي يبدو أن إسرائيل كانت تنتظره، وغضّت الطرف عنه لاستثماره لاحقاً، فحصدت من ورائه ما أرادت لدرجة تستوجب منها بناء تمثال له - تُطرح اليوم أسئلة وجودية ثقيلة وتفرض نفسها بقوة على المشهد المعقد بالشرق الأوسط.

لماذا تتكرر "الأخطاء" القاتلة ذاتها منذ اغتيال السيد حسن نصر الله؟ استنزاف القيادة في إيران بات جماعياً ولا يزال مستمراً، ولكن الأغرب من هذا كله: كيف يُغتال "القائد الرمز رقم 1" في اليوم الأول والساعات الأولى من الهجوم المشترك؟

خيانة من الداخل أم انقلاب ناعم؟

هل يمكن القول إن هذه مجرد أخطاء استراتيجية وسوء تقدير، أم خيانة مكتملة الأركان؟ هل نحن أمام انقلاب خفي من داخل القيادة لتصفية الحرس القديم وصعود "عمائم إصلاحية"؟ أم أن نسخة كوريا الشمالية ستتكرر هنا بتصلب أشد، وبالتالي سيندم العرب على غياب خامنئي؟

إن فرضية أن القيادة الإيرانية مخترقة بالكامل منذ اغتيال السيد حسن لا تزال قائمة، بل إنها التفسير المنطقي لتساقط الرؤوس المتتالي.. لكن ثمة من لا يدعم هذا التوجه. في هذا السياق، نتساءل: من الذي يشجع من داخل إيران على استهداف دول الخليج؟ هل سيحقق هذا الاستفزاز شيئاً أم سيعجل بإنهاء النظام؟ طهران بهذا التخبط تقدم الآن أكبر مبرر استراتيجي لكي تنضم دول الخليج العربية عسكرياً للحملة التي يقودها التحالف الأمريكي الإسرائيلي.

تخبط ترامب: فطور في نهار رمضان!

يتزامن هذا الشلل الإيراني مع حالة من الفوضى السياسية والتخبط غير المسبوق في واشنطن. فمنذ بدء الهجوم في 28 شباط وصولاً إلى مساء 2 آذار، تحولت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مسرحية من التناقضات.

بدأ ترامب بالتفاخر عبر منصته معلناً نبأ الاغتيال قبل صدور البيانات الرسمية، متحدثاً عن "فرصة تاريخية لإحلال السلام"، ليعود بعدها بساعات ويهدد بـ "قصف كثيف ومستمر لأسابيع". ولكن ذروة هذه الفوضى الاستعراضية تجلت في زلة لسان تكشف مدى سطحية إدارته للمشهد؛ حين صرّح متباهياً بأن "خامنئي قُتل بينما كان يتناول الإفطار صباحاً"، متناسياً تماماً، أو جاهلاً، بحقيقة أن العالم الإسلامي يعيش أيام شهر رمضان المبارك، وأن المرشد كان صائماً!

هذا التناقض يثبت القاعدة: يكون الموقف صعباً وكارثياً حينما يكون المعتدي (واشنطن وتل أبيب) في أعلى حالات الاسترخاء واللامبالاة، بينما المستهدف (طهران) مرتبك ومقيد، لا يعرف حتى ما إذا كانت بقية قياداته بخير أم "على حد علمه ما زالت بخير".

أين الصواريخ التي ستبهر العالم؟

لماذا تستنزف إيران طاقتها عشوائياً هنا وهناك بأهداف فارغة، في حين لم تصل لإسرائيل، عدوها اللدود، أي رشقة استراتيجية كاسرة للتوازن لغاية الآن؟ هل كان الإيرانيون يبالغون بقدراتهم العسكرية؟ أين هي الصواريخ التي لم تُستخدم لغاية الآن وقيل إنها ستبهر العالم؟

لا نعتقد أن هناك مفاجأة قادمة. فمثلما لم يستطع حزب الله أن يجد مثيلاً لنصر الله، فإن نسخة خامنئي لن تتكرر. إنها خسارة ثقيلة، وسوء تقدير تاريخي، وخدعة أمريكية إسرائيلية انطلت على الإيرانيين بكل سذاجة. إذا أرادت إيران حقاً أن تفاجئ العالم بأقل الخسائر الآن لحفظ ما تبقى من ماء وجهها، فلتعلنها صراحة: "هذا طلاق بيني وبينكم أيها العرب".

السؤال العرضي الأخير

في نهاية المطاف، لن يجد التحالف الأمريكي الإسرائيلي يورانيوم ولا سلاحاً نووياً جاهزاً تحت أنقاض طهران، لكن هذا الهجوم كان مبرراً كافياً لتقويض زعامة "محور المقاومة" الذي يمثل "محور الشر" بالنسبة لهم.

ووسط هذا الركام، يبقى السؤال العرضي الأخير الموجه للبيت الأبيض: كم ملياراً سيتلقى ترامب من حلفائه كثمن ومكافأة بعد اغتيال السيد خامنئي؟