الدوحة (هذا اليوم)- في خضم القراءات المتعددة لمسارات التصعيد الحالي في الشرق الأوسط، كشف المفكر الاستراتيجي الكويتي، الدكتور عبد الله النفيسي، عن تباين جوهري في آليات صنع القرار وتقدير الموقف بين الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، والقيادة الإسرائيلية، وتحديداً في فهم بنية النظام الإيراني والتعامل مع أذرعه الإقليمية.

وأوضح النفيسي، في مقابلة مع الجزيرة، أن الإدارة الأمريكية، وتحديداً ترامب، تنطلق من رؤية "واهمة" تعتقد أن النظام الإيراني هو نظام "فردي" يمكن إسقاطه بمجرد توجيه ضربة لرأس الهرم أو اغتيال المرشد الأعلى.

في المقابل، تدرك المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل التعقيد المؤسساتي والعقائدي للنظام الإيراني، ولا تراهن على انهياره بضربات سطحية، بل تسعى استراتيجياً لـ "إخراجه من معادلة التوازن الإقليمي" وتحجيم قدراته النووية والصاروخية.

"خبير الشيعة" في غرفة القرار الإسرائيلي

وفي سياق حديثه عن العمق الاستخباراتي الإسرائيلي في فهم الخصم، أشار النفيسي إلى اعتماد صناع القرار في تل أبيب على شخصيات تمتلك خبرة تاريخية وفقهية في الشأن الشيعي، ضارباً المثل بالدبلوماسي والمسؤول الأمني الإسرائيلي المخضرم، يوري لوبراني.

وأكد النفيسي أن لوبراني يُعد "أكبر خبير إسرائيلي في الشؤون الشيعية"، لافتاً إلى أن ثقله بلغ حداً يجعل من حضوره أمراً إلزامياً في اجتماعات مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت).

وأضاف النفيسي: "إذا أراد الكابينت أن يبحث موضوع حزب الله أو موضوع إيران، فرأساً يوري لوبراني موجود معهم، لأنه هو الذي يعرف الفرشة والبير وغطاها"، في إشارة إلى إلمامه الدقيق بخفايا وتفاصيل التفكير الاستراتيجي والديني لتلك الساحات.

ويشير هذا الاعتماد، بحسب النفيسي، إلى إدراك إسرائيل المسبق بأن النظام الإيراني ليس مجرد هيكل سياسي عابر، بل مؤسسة دينية وأمنية متجذرة (طبقة شرعية، طبقة أمنية متمثلة بالحرس الثوري، وطبقة بيروقراطية)، مما يتطلب في مواجهتها عقولاً خبيرة قادرة على قراءة الأبعاد العقائدية وليس فقط العسكرية.

من هو يوري لوبراني؟ "رجل الظل" ومهندس السياسات الإسرائيلية تجاه إيران ولبنان

يُعتبر يوري لوبراني (Uri Lubrani)، المولود في عام 1926 والمتوفى في عام 2018، واحداً من أكثر الشخصيات الأمنية والدبلوماسية تأثيراً وغموضاً في تاريخ إسرائيل. لم يكن مجرد سفير تقليدي، بل كان العقل الاستراتيجي الذي صاغ مقاربات إسرائيل تجاه أعقد ملفاتها في الشرق الأوسط: إيران قبل وبعد الثورة، والساحة اللبنانية بتركيبتها الطائفية المعقدة.

1. المحطة الإيرانية: سفير في بلاط الشاه (1973 – 1978) تولى لوبراني منصب رئيس البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية (بمرتبة سفير) في طهران خلال حقبة الشاه محمد رضا بهلوي. في تلك الفترة، كانت العلاقات الإسرائيلية-الإيرانية في أوجها، وشملت تعاوناً اقتصادياً وعسكرياً واستخباراتياً وثيقاً.

  • الرؤية الاستشرافية: يُسجل للوبراني أنه كان من أوائل الدبلوماسيين، وربما الوحيد في السلك الغربي، الذي حذر حكومته منذ عام 1977 من أن عرش الشاه يتهاوى، وأن ثورة دينية شعبية بقيادة رجال الدين تقترب من الإطاحة بالنظام. هذا التحذير المبكر، الذي قوبل بتشكيك في البداية، رسّخ مكانته لاحقاً كـ "قارئ محترف" للداخل الإيراني والتحولات الشيعية.

2. المحطة اللبنانية: منسق الأنشطة في المستنقع اللبناني (1984 – 2000) بعد انسحاب إسرائيل من بيروت وتمركزها في جنوب لبنان، عُين لوبراني منسقاً لأنشطة الحكومة الإسرائيلية في لبنان. استمر في هذا المنصب الحساس لـ 16 عاماً متواصلة.

  • هندسة التعامل مع حزب الله: خلال هذه الفترة، كان لوبراني المسؤول الأول عن إدارة السياسة الإسرائيلية تجاه الفصائل اللبنانية، وتحديداً صعود حركة "أمل" ولاحقاً "حزب الله". لقد تطلب منصبه فهماً عميقاً للديموغرافيا اللبنانية، والارتباطات العضوية بين شيعة لبنان والمرجعية في طهران، مما جعله المنظر الأساسي لأساليب المواجهة والتفاوض (بما في ذلك مفاوضات تبادل الأسرى والجثامين) مع الحركات الشيعية المسلحة.

3. المستشار الدائم لوزراء الدفاع (2000 – 2015) حتى بعد تجاوزه سن الثمانين، رفضت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التخلي عن خبراته. انتقل ليكون مستشاراً خاصاً لوزراء الدفاع الإسرائيليين المتعاقبين (مثل إيهود باراك وموشيه يعلون).

  • حضور في الغرف المغلقة: كان دوره يتمحور حول تقديم التقديرات الاستراتيجية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة. كان صوته حاضراً في "الكابينت" كمرجعية معرفية لا غنى عنها لفهم العقلية القيادية في طهران.

لم يكن يوري لوبراني أكاديمياً يدرس "التشيع" من الكتب، بل كان ممارساً استخباراتياً ودبلوماسياً تشكلت خبرته في ميادين طهران وبيروت. ولذلك، عندما يذكره د. عبد الله النفيسي، فهو يشير إلى مؤسسة إسرائيلية كاملة تعتمد على الرصد الدقيق والمعرفة التراكمية، في تناقض صارخ مع القرارات "المزاجية" التي قد تصدر عن الإدارات الأمريكية.

شاهد الفيديو على يوتيوب