شفق نيوز- ترجمة خاصة
لا يُمثل علي الزيدي "رجل واشنطن" في بغداد،لكن صعوده إلى رئاسة الوزراء لا يعكس تحولاً داخل الإطار التنسيقي ضد طهران، بل إنالزيدي يقع ضمن نطاق نفوذ إيران، حيث عمل وازدهر داخل هذا النطاق، ولهذا، كما يقولموقع "أمواج" البريطاني، فإن الاختبار الأول له سيكون في قطاع الأمن.
وذكر الموقع البريطاني في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أن ظهور الزيدي كان مفاجئاً وبمثابة صدمة للعديد من المراقبين، بالنظر إلى صورتهكرجل أعمال شاب من خارج النخبة السياسية الراسخة، معتبراً أن اختياره لم يكن لأنهأقوى مرشح، وإنما لأنه الوحيد الذي بإمكان جميع أصحاب المصلحة تحمّله.
وتابع التقرير، قائلاً إنه للوهلة الأولى، ينظر البعضإلى تهميش رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي على أنه فوز لواشنطن، بعدما رفضالرئيس الأميركي دونالد ترمب علناً في كانون الثاني/يناير دعم ترشيحه بسبب قربهالشديد من إيران، مبيناً أن صعود الزيدي لا يشير إلى تحول حاسم ضد طهران داخلالتحالف الشيعي الحاكم، وإنما يعكس آلية معروفة للبقاء لدى الطبقة السياسية، حيثيتم تكليف شخصيات التسوية بإدارة الضغوط الخارجية والمحلية المتزايدة.
ويبدو أن رئيس الوزراء المكلف يعكس الاستمرارية أكثر منكونه نقطة تحول، كما جاء في التقرير، الذي أضاف أن العراق ما يزال ساحة صراعللنفوذ الإقليمي، حيث من غير المرجح أن تنتصر إيران ولا الولايات المتحدة بشكلواضح، بل تضطر كل منهما إلى القبول بما هو أقل من ذلك.
واعتبر أن التأثير الخارجي في اختيار رئيس وزراء العراقليس أمراً جديداً، كما كان بصعود المالكي بتزكية من السفير الأميركي آنذاك زلمايخليل زاده، ثم حيدر العبادي كحل وسط بين طهران وواشنطن، ثم عادل عبد المهدي كمؤشرعلى تحول نحو طهران من خلال الضغط الذي مارسه قائد "فيلق القدس" قاسمسليماني، ثم مصطفى الكاظمي الذي كان صعوده يعكس التأثير المتزايد لشبكاتالاستخبارات الإيرانية في العراق، حيث ملأ هذا التحول فراغاً بعد إضعاف فيلق القدسباغتيال سليماني في العام 2020.
وتناول التقرير صعود محمد شياع السوداني، موضحاً أنه كانمن المعتقد أن افتقاره إلى قاعدة سياسية يشير إلى أنه سيكون مرناً أمام مصالحالفصائل الشيعية الأكثر ثقلاً المتحالفة مع إيران، والتي جاءت به إلى السلطة، وأنهاكانت المرة الأولى التي يصعد فيها زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي كقائد منالدرجة الأولى ضمن الإطار التنسيقي، حيث لعب دوراً مهماً في اختيار السوداني.
وقال مصدر سياسي في الإطار التنسيقي، وفقاً للتقرير، إنالخزعلي لعب دوراً مؤثراً في اختيار الزيدي أيضاً، محافظاً على نفوذه السياسي منوراء الكواليس، مضيفاً أن الزيدي يحتفظ بعلاقة تاريخية مع الخزعلي.
وفيما يتعلق بإيران، أشار المصدر نفسه، إلى إنه طوالالأشهر القليلة الماضية امتنع المسؤولون الإيرانيون، بشكل غير اعتيادي، عن التدخلالمباشر في الخلاف داخل الإطار التنسيقي حول رئاسة الوزراء، وإن هذا الغياب خلقمساحة للقوى الفاعلة الأخرى لملئها.
ولفت التقرير أيضاً إلى أن رئيس مجلس القضاء الأعلى فائقزيدان دخل في هذا الفراغ الواضح كوسيط رئيسي للسلطة، ولعب دوراً مركزياً في مسارتشكيل الحكومة، لافتاً إلى أن الزيدي قد عزز قبوله لدوره الجديد من خلال عمل هادئعلى بناء شبكة من العلاقات المحدودة ولكن الفعالة مع القادة الرئيسيين في مختلفأطياف المشهد السياسي، مطوراً علاقات مهمة مع الفصائل السياسية الكوردية والشيعيةوالسنية.
أوضح أن افتقار الزيدي إلى حزب سياسي، وموقعه خارجالنخبة المتجذرة، جعله مقبولاً بالنسبة لجميع الأطراف، فهو لا يمكنه تحدي النظامالسياسي القائم، ولكن من المرجح أن يعتمد عليه، مؤكداً أن ترشيح الزيدي قوبل بدعمفوري من واشنطن، حيث كانت المرة الأولى في التاريخ السياسي الحديث للعراق التييتلقى فيها رئيس الوزراء المكلف مكالمة مباشرة من رئيس أميركي، وأنه على النقيض منذلك، تأخر رد طهران وكان مضبوطاً بشكل ملحوظ، حيث صدر فقط على مستوى وزيرالخارجية.
ورغم ذلك، تابع قائلاً إنه "لا ينبغي اعتبار هذابمثابة تأكيد على أن الزيدي هو رجل واشنطن في بغداد"، مضيفاً أن العلاقاتالواضحة للزيدي مع إيران ليست جديدة ولا سطحية.
وذكّر التقرير، في هذا الإطار بعلاقة مصرف الجنوبالإسلامي مع العديد من المؤسسات المالية التي قيل إنها مقيّدة من الانخراط فيمعاملات بالدولار من قبل وزارة الخزانة الأميركية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، بسببشبهات تبييض الأموال المرتبطة بإيران، مبيناً أن "هذه الصفات تشير إلى أنالزيدي ليس غريباً عن مجال نفوذ إيران، بل هو شخصية عملت وازدهرت داخله".
ورأى أن "تكليف الزيدي يبدو أقل كتحول استراتيجي منجانب واشنطن في المشهد السياسي العراقي، بل أقرب إلى خطأ مألوف في التقدير"،مذكّراً بأن الهدف من دعم واشنطن للمالكي عام 2006 كـ"خيار ثالث" كانيتمثل في تهميش الشخصيات المؤيدة لإيران، حيث كان يُنظر إلى المالكي من قبل صانعيالسياسات الأميركية على أنه قادر على إعادة التوازن في العراق بعيداً عن طهران، إلاأنه انتهى به الأمر ليصبح أحد أكثر شركاء إيران موثوقية في بغداد.
وبحسب التقرير، فإن هناك مؤشرات على أن ديناميكية مماثلةقد تظهر هنا، حيث نقل عن مصدر دبلوماسي أميركي قوله إن رئيساً سابقاً للحكومة فيالعراق لعب دوراً مهماً في إقناع إدارة ترامب بأن الزيدي يمكن أن يكون نقطة تحول،مضيفاً أنه من المتوقع الآن أن يلعب رئيس وزراء سابق دوراً في تشكيل الحكومةالجديدة.
وبين أن حلفاء طهران في العراق متجذرون بعمق في مؤسساتالدولة والكتل السياسية والشبكات الأمنية والقنوات الاقتصادية والتحالفات متعددةالطوائف، وليس بإمكان أي رئيس وزراء، خصوصاً من لا يتمتع بقاعدة سياسية مستقلة، أنيغيّر ذلك بمفرده.
وتحدث التقرير، أن الزيدي، على غرار أسلافه، سيقدّملواشنطن خطاب الشراكة، في وقت يعمل فيه ضمن نظام تظل فيه إيران القاسم المشترك،كما من المرجح أن تدعم طهران الإدارة العراقية التي قد يشكلها الزيدي، كوسيلةلتخفيف الضغط على مصالحها في العراق، مع الحفاظ على تماسك حلفائها وأصولهاالاستراتيجية.
وأضاف أنه من المرجح أن يُنظر إلى مثل هذه النتيجة علىأنها تعديل في موقف طهران لا هزيمة، لافتاً إلى أن إيران أظهرت مراراً قدرة عاليةعلى التكيف مع المتغيرات السياسية.
أما بالنسبة لواشنطن، فرجّح التقرير أن يكون الاختبارالأول هو قدرة الزيدي على المضي قدماً في إصلاح قطاع الأمن. وتابع أنه، رغم دعمترامب الواضح، من المرجح أن يظل هذا الدعم مشروطاً بتحقيق نتائج ملموسة، مشيراًإلى أن الديناميكيات السياسية الحالية في العراق لا توحي بأن الزيدي سيكون قادراًعلى تحقيق أكثر من إصلاحات تجميلية، على غرار أسلافه.



