شفقنيوز- كركوك

علىتلة مرتفعة شرقي مدينة كركوك، تقف الكنيسة الحمراء، أو ما تعرف باسم "كنيسةطهمزكرد"، كأحد أقدم الشواهد التاريخية على الوجود المسيحي في المدينة،وكموقع يحمل في ذاكرته روايات دينية وتاريخية امتزجت فيها المأساة بالإيمان.

الكنيسةالتي تحولت مع مرور الزمن إلى مقبرة واسعة للمسيحيين، ما تزال حتى اليوم تستقبلالزائرين والباحثين ورجال الدين الذين يرون فيها رمزاً للصمود والتنوع الديني الذيعُرفت به كركوك على مدى قرون.

ويعودتاريخ الكنيسة، بحسب روايات تاريخية متداولة، إلى القرن الخامس الميلادي، حين شهدتالمنطقة حملة اضطهاد واسعة ضد المسيحيين في عهد الإمبراطورية الساسانية.

وتذكرالمصادر أن آلاف المسيحيين قتلوا في تلك الحقبة خلال ما يعرف بـ"مذبحة شهداءكركوك"، التي وقعت عام 445 ميلادية تقريباً. ويرتبط اسم الكنيسة بقائد فارسييدعى "طهمزكرد"، يقال إنه شارك في الحملة العسكرية ضد المسيحيين قبل أنيعتنق المسيحية لاحقاً، ليتم بناء الكنيسة تخليداً لذكرى الضحايا والشهداء الذيندفنوا في الموقع.

أماتسمية "الكنيسة الحمراء"، فتعود -بحسب الروايات الشعبية- إلى الدماءالتي سالت في المكان خلال المجزرة، حتى اكتسبت تربة التلة لوناً مائلاً إلىالحمرة.

فيمايرى آخرون أن طبيعة التربة الحمراء في المنطقة هي السبب الحقيقي وراء التسمية، إلاأن الرواية المرتبطة بالمجزرة بقيت الأكثر حضوراً بين أهالي كركوك والمسيحيينخصوصاً، حتى بات الموقع يعرف شعبياً باسم "الكنيسة الحمراء" أو "قرمزيكليسه".

ويمثلالموقع اليوم مقبرة تاريخية واسعة للمسيحيين في كركوك، إذ تنتشر عشرات القبورالقديمة والحديثة حول الكنيسة وعلى امتداد التلة المحيطة بها.

وتحملبعض القبور نقوشاً وكتابات بالسريانية والعربية، فيما يعود عدد منها إلى عقودطويلة مضت، ما يعكس عمق الوجود المسيحي في المدينة وتنوع طوائفه بين الكلدانوالسريان والآشوريين والأرمن.

ويقولباحثون في التراث إن أهمية الكنيسة الحمراء لا تكمن فقط في بنائها الديني، بل فيتحولها إلى سجل مفتوح لذاكرة المسيحيين في كركوك، إذ تحتفظ المقبرة بأسماء عائلاتعاشت في المدينة منذ مئات السنين، بعضها هاجر خارج العراق خلال العقود الأخيرةبسبب الظروف الأمنية والاقتصادية التي شهدتها البلاد.

وتعرضتالكنيسة الأصلية لأضرار ودمار كبير خلال الحرب العالمية الأولى عام 1918، نتيجةالمعارك التي دارت في المنطقة بين القوات العثمانية والبريطانية، قبل أن تُعادأعمال ترميم محدودة للموقع في سنوات لاحقة.

كماأُنشئت كنائس صغيرة وقاعات دينية داخل المقبرة لخدمة الطقوس الدينية ومراسيم الدفنالتي ما تزال تقام حتى اليوم.

ورغمتعاقب الأزمنة، بقيت الكنيسة الحمراء تحتفظ بمكانتها الروحية لدى مسيحيي كركوك، إذيحرص كثيرون على زيارة قبور ذويهم خلال المناسبات الدينية والأعياد المسيحية، فيماتُقام سنوياً قداديس وصلوات لإحياء ذكرى "شهداء طهمزكرد".

ويقولرجال دين إن الموقع يمثل جزءاً مهماً من هوية المسيحيين في المدينة، ويعكس التعايشالتاريخي الذي جمع مختلف المكونات الدينية والقومية في كركوك.

كماتحولت الكنيسة الحمراء إلى محطة يقصدها الباحثون والمهتمون بالتراث، خاصة مع تزايدالاهتمام بالمواقع الدينية القديمة في العراق بعد سنوات من الإهمال.

ويرىمختصون أن الموقع بحاجة إلى أعمال صيانة وحماية أكبر، خصوصاً أن أجزاء من المقبرةوالكنيسة تعرضت للتآكل بفعل الزمن والعوامل الطبيعية، فضلاً عن غياب مشاريع ترميمشاملة تحفظ القيمة التاريخية للمكان.

ويؤكدسكان محليون أن الكنيسة الحمراء ليست مجرد مقبرة أو مبنى ديني قديم، بل تمثل جزءاًمن ذاكرة كركوك المتعددة، حيث تتجاور فيها الأديان والثقافات والقوميات منذ قرون.فالمكان الذي يضم رفات مئات المسيحيين، ما يزال يروي قصة مدينة عرفت التنوع، وعاشتفترات من الصراع والسلام في آنٍ واحد.

وفيالسنوات الأخيرة، عاد الاهتمام بالموقع مع ازدياد الحديث عن ضرورة حماية الإرثالديني في العراق، خاصة بعد الأضرار التي لحقت بعدد من الكنائس والأديرة خلالفترات العنف والنزوح.

ويأملأبناء الطائفة المسيحية في كركوك أن تحظى الكنيسة الحمراء باهتمام أكبر من الجهاتالمعنية، سواء من خلال إدراجها ضمن المواقع التراثية المهمة أو تنفيذ مشاريع ترميمتحافظ على تاريخها للأجيال المقبلة.

وتقولإحدى المسيحيات وتدعى فائرة سمير في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "الكنيسةالحمراء تمثل جزءاً من ذاكرة المسيحيين في كركوك، إذ اعتاد الأهالي زيارة المقبرةفي المناسبات الدينية والأعياد للصلاة على أرواح ذويهم".

وتبينأن "المكان يحمل قيمة روحية كبيرة لدى العائلات المسيحية التي ما تزال مرتبطةبتاريخ المدينة رغم الهجرة والظروف الصعبة".

ويقولأحد المسيحيين ويدعى كوركيس يوسف في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "الكنيسةالحمراء ليست مجرد مقبرة، بل تعد شاهداً على وجود المسيحيين في كركوك منذ مئاتالسنين".

ويشيرإلى أن "العديد من القبور الموجودة في الموقع تعود لعائلات معروفة سكنتالمدينة منذ عقود طويلة، وما تزال الأجيال الحالية تحرص على زيارة المكان والحفاظعليه".

ويقولالباحث علي البياتي في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "الكنيسة الحمراء أو كنيسةطهمزكرد تعد من أقدم المعالم الدينية في كركوك، وترتبط بروايات تاريخية تعود إلىالقرن الخامس الميلادي".

ويلفتإلى أن "الموقع يعكس التنوع الديني والثقافي الذي عُرفت به المدينة، كما يمثلجزءاً مهماً من التراث العراقي الذي يحتاج إلى حماية وصيانة مستمرة".

وتقولالمسيحية لميس خالد في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن "المقبرة تضم رفات أجيالمتعاقبة من المسيحيين الذين عاشوا في كركوك"، مؤكدة أن "زيارة الكنيسةالحمراء تمنح شعوراً بالارتباط بالجذور والتاريخ، خصوصاً في ظل تراجع أعدادالمسيحيين في المدينة خلال السنوات الماضية بسبب الهجرة والظروف الأمنية".

وبينالقبور القديمة وأجراس الكنيسة الصامتة، تبقى الكنيسة الحمراء في كركوك شاهداً علىقرون من التاريخ، وعلى حكاية مجتمع حافظ على وجوده رغم الحروب والهجرة والتغيراتالسياسية، لتظل التلة الحمراء واحدة من أكثر الأماكن ارتباطاً بذاكرة المسيحيين فيالمدينة.