شفق نيوز/ ترجمة خاصة
سلّط موقع "أوكسفورد بلو"البريطاني الضوء على الأهمية السياسية والتاريخية التي يمثلها كهف شاندر في إقليمكوردستان، والذي عاد إلى دائرة الاهتمام العالمي بعد أن أصبح محوراً لفيلم وثائقيعرضته منصة "نتفليكس"، معتبراً أن الموقع الأثري تحوّل إلى نافذة يطلمنها الإقليم على العالم للتعريف بتاريخه وتراثه الثقافي العريق، إلى جانب كونهفرصة لإبراز الهوية الكوردية على الساحة الدولية.
وذكر التقرير الذي ترجمته وكالة شفقنيوز، أن منصة "نتفليكس" عرضت عام 2024 الفيلم الوثائقي "أسرارالنياندرتال"، الذي يتتبع أعمال فريق من علماء الآثار البريطانيين والكوردخلال تنقيباتهم في كهف شاندر، الموقع الذي كشف منذ خمسينيات القرن الماضي عن كنزأثري استثنائي تمثل بالعثور على 10 هياكل عظمية شبه سليمة لإنسان النياندرتال يعودعمرها إلى أكثر من 40 ألف عام، وهو اكتشاف غيّر العديد من المفاهيم المتعلقة بحياةالإنسان البدائي ومعتقداته وسلوكه الاجتماعي.
وأشار إلى أن تاريخ الكهف ومسيرتهالأثرية يرتبطان بصورة وثيقة بالتاريخ السياسي لإقليم كوردستان، في منطقة شهدتعقوداً من الصراعات والعنف والتحولات السياسية، موضحاً أن أعمال التنقيب لم تعدمجرد مشروع علمي، بل باتت تمثل فرصة سياسية وثقافية مهمة للمسؤولين الكورد من أجلتسليط الضوء على تاريخ الإقليم وسكانه، وإيصال رسائل تتعلق بالهوية والانتماءوالخصوصية الثقافية.
من الاكتشاف إلى الصمت
وأوضح التقرير، أن أولى الحفريات فيكهف شاندر أُجريت بين عامي 1951 و1960 بقيادة عالم الآثار الأميركي البارز رالفسوليكي، الذي نجح في اكتشاف 9 هياكل عظمية لإنسان النياندرتال، وهو إنجاز أحدثصدمة في الأوساط العلمية آنذاك، ورسّخ مكانة شاندر كأحد أهم المواقع الأثريةلدراسة الإنسان القديم.
إلا أن التطورات السياسية والأمنيةالتي شهدتها المنطقة أدت إلى توقف أعمال البحث والتنقيب، وبقي الكهف لأكثر من نصفقرن بعيداً عن الدراسات الميدانية.
وفي عام 2011، تواصلت حكومة إقليمكوردستان مع البروفيسور غرايم باركر، الذي كان يشغل حينها رئاسة قسم الآثار فيجامعة كامبريدج البريطانية، لاستطلاع إمكانية العودة إلى الكهف واستكمال المشروعالأثري من حيث توقفت أعمال سوليكي، لتبدأ بذلك شراكة بين جامعة كامبريدج والمديريةالعامة للآثار في كوردستان.
لكن التقرير بين أن "المشروع واجهصعوبات كبيرة منذ بدايته، فرغم بدء التحضيرات عام 2011، لم تنطلق أعمال الحفرفعلياً إلا في العام 2014، قبل أن تتوقف بعد يومين فقط بسبب التهديدات الأمنيةالناجمة عن تمدد تنظيم داعش واقترابه من المنطقة، ما دفع الفريق العلمي إلى تعليقالعمل حفاظاً على سلامة أفراده".
ولفت إلى أن "التحديات لم تقتصرعلى الوضع الأمني، بل شملت أيضاً الظروف المناخية القاسية وطبيعة الموقع الجبلية،الأمر الذي جعل عمليات التنقيب بطيئة ومعقدة، ورغم ذلك، عاد الفريق إلى الموقع عام2015، ليحقق بعد ثلاث سنوات أحد أهم الاكتشافات الأثرية الحديثة، من خلال العثورعلى هيكل عظمي جديد شبه كامل لإنسان النياندرتال".
ووفقاً التقرير، فإن حالة الجمجمةالممتازة سمحت للعلماء بإعادة بناء ملامح الوجه بدقة، كما فتحت الباب أمام دراساتجديدة تتعلق بممارسات الدفن والطقوس الروحية التي ربما اتبعها إنسان النياندرتال.
تاريخ كوردي
ورأى أن فهم الأهمية السياسية لهذاالاكتشاف يتطلب العودة إلى التاريخ الكوردي الحديث، وما شهده من صراعات طويلةومحاولات مستمرة لإثبات الهوية والحفاظ عليها.
وتناول التقرير محطات تاريخية عديدة، بدءاًمن تداعيات معاهدة سيفر وما أعقبها من معاهدة لوزان عام 1923 التي قسمت المناطقالكوردية بين دول عدة مروراً بحركات التمرد الكوردية في ثلاثينيات وأربعينياتوستينيات القرن الماضي بقيادة الملا مصطفى بارزاني، واستمرار المقاومة حتى عام1975، مشيراً إلى سياسات التعريب والاستيطان التي انتهجها النظام العراقي السابقخلال سبعينيات القرن الماضي، ثم حملات القمع الواسعة في ثمانينيات القرن العشرين،بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية ضد الكورد، ولاسيما في حلبجة.
وتطرق التقرير، أيضاً إلى تداعيات حربالخليج عامي 1990 و1991 وما أعقبها من موجات نزوح جماعية، ثم إقامة المنطقة الآمنةوتشكيل أول برلمان كوردي، وصولاً إلى الحرب ضد تنظيم داعش واستفتاء الاستقلال عام2017.
وفي هذا السياق، اعتبر أن اكتشافالهيكل العظمي شبه الكامل في العام 2018 اكتسب أهمية خاصة، لأنه وفر للإقليم فرصةإضافية لتأكيد خصوصيته التاريخية والثقافية وتعزيز سرديته المتعلقة بالحكم الذاتيوالوحدة المجتمعية.
لحظة فخر لكوردستان
وقال رئيس قسم آثار ميرگاسور، سورانأمير، إن "إعادة بناء وجه (شاندر Z)، ليست مجرد انتصار علمي، بل تمثل لحظة فخرلشعب كوردستان، فنحن لسنا حراساً للتاريخ الحديث فحسب، بل أيضاً أوصياء على ماضيالبشرية العميق".
ونوه التقرير، إلى احتفال أقيم في 21أيار/مايو 2024 لتكريم علماء الآثار والباحثين والمسؤولين الذين ساهموا في أعمالالتنقيب واكتشاف الهياكل العظمية داخل الكهف، بحضور عدد كبير من الوزراءوالمسؤولين في حكومة الإقليم، مبيناً أن هذا الاحتفاء يعكس رغبة واضحة لدى المؤسساتالكوردية في تأكيد ارتباطها بالمشروع الأثري وإبراز دوره في تعزيز الهوية الثقافيةللإقليم.
وتابع أن الاكتشافات في كهف شاندر جذبتاهتماماً دولياً واسعاً، ووفرت فرصة حقيقية لكوردستان للتعريف بتاريخها وتراثهاالحضاري الممتد لآلاف السنين.
ونقل التقرير عن أحد المسؤولين الكوردقوله إن "شاندر سيبقى أحد أهم المواقع الأثرية في العالم، لكن ينبغي أيضاًتذكّر أن كوردستان تضم آلاف المواقع الأخرى التي تربطنا بماضينا القديم".
متحف جديد
ورأى أن السلطات الكوردية تعمل حالياًعلى إنشاء متحف قرب كهف شاندر لحفظ وعرض المكتشفات الأثرية المرتبطة بالموقع، ومنالمتوقع استكمال المشروع بحلول نهاية العام الجاري.
واستطرد التقرير بالإشارة إلى أنالاستثمار الكوردي في مشروع كهف شاندر قد يعكس محاولة من حكومة الإقليم لإيصالالصوت الكوردي إلى المجتمع الدولي عبر بوابة الثقافة والآثار، وإبراز كوردستانبوصفها منطقة تمتلك إرثاً تاريخياً وحضارياً مميزاً، مضيفاً أن سعي الإقليم إلىاستقطاب السياح والباحثين والأكاديميين من مختلف أنحاء العالم يعكس طموحاً لبناءحضور اقتصادي وثقافي وفكري أكثر استقلالاً، مع توقعات بأن يؤدي الاهتمام العالميالمتزايد بكهف شاندر إلى توسيع آفاق التعاون الدولي مع كوردستان.
وتساءل التقرير في ختامه: "هليشير كل ذلك إلى توجه متزايد نحو تعزيز الحكم الذاتي الكوردي وإبراز مشروعالاستقلال مستقبلاً عبر أدوات الثقافة والتراث والتاريخ؟".



