شفق نيوز- ترجمة خاصة
تحتل فكرة "نزع السلاح" مساحة متزايدة من النقاشات في ظل الضغط الأميركي من أجل تطبيقه في العراق، إلا أن "معهد ستيمسون"، تساءل عن ماهية نجاح ذلك، وماذا يعني هذا النزع، ومن يشمل، وكيف يُنفذ، معتبراً أن الفكرة تفتقر إلى الوضوح، وأن إبعاد الميليشيات عن مؤسسات الدولة ليس مجرد إجراء قانوني بسيط، وإنما يتطلب إعادة هيكلة جذرية للنظام السياسي العراقي القائم منذ العام 2003.
وبداية، اعتبر المعهد الأميركي في تقرير له ترجمته وكالة شفق نيوز، أن كبح نفوذ الفصائل المسلحة في العراق، من خلال نزع السلاح أو التسريح أو إبعادها عن مؤسسات الدولة، لطالما كان حجر الزاوية في سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه العراق، وهي مسألة اكتسبت المزيد من الإلحاح منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران.
وبعدما أشاد التقرير بفكرة التركيز على هذا الملف لتحقيقه في ظل النفوذ الكبير الذي تتمتع به الميليشيات في العراق، والذي يتخطى أحياناً نفوذ المؤسسات الرسمية أو يتجاوزه، أشار إلى أن الحرب الأخيرة تبرز حجم المشكلة، حيث تحوّل العراق إلى ساحة معركة ثانوية بسبب الهجمات المتبادلة بين مختلف الأطراف.
واعتبر التقرير أن هدف واشنطن العام واضح بدرجة كبيرة، إلا أن النتيجة النهائية المرجوة، والآليات اللازمة لتحقيقها، ليست واضحة، حيث إن الإدارة الأمريكية ربطت مطالبها بإجراءات تستهدف عزل قادة الميليشيات وشبكاتهم المالية، بما في ذلك فرض عقوبات ومكافآت مقابل معلومات عن كبار القادة، إلا أنه باستثناء الدعوات إلى نزع السلاح، وإخراجهم من مؤسسات الدولة، وكبح نفوذ الميليشيات، لم يحدث نقاش عام ذو أهمية حول ماهية النجاح في هذه البيئة السياسية العراقية المعقدة.
وقال التقرير الأميركي، إن إبعاد الميليشيات عن مؤسسات الدولة ليس مجرد إجراء قانوني بسيط، وإنما يستدعي إعادة هيكلة جذرية للنظام السياسي العراقي ما بعد عام 2003، لأن هذه الميليشيات ليست مجرد جماعات مسلحة تعمل خارج النظام، إذ إن العديد منها متجذر بعمق فيه، خصوصاً بعد الانتخابات الأخيرة حيث أصبحت الأجنحة السياسية لهذه الميليشيات تسيطر على ربع مقاعد مجلس النواب، وتتحكم في الوزارات، وتؤثر على القضاء، وتستحوذ على موارد اقتصادية هائلة، مضيفاً أن رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي يخدم في منصبه تحت رحمة هذه الجماعات القوية الموالية للميليشيات.
وبحسب التقرير، لا يوجد إجماع داخل العراق حول ما ينبغي أن يعنيه وضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة. وأعطى التقرير مثالاً عن زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، الخاضع للعقوبات الأمريكية، وهو ممن حولوا قوة الميليشيات إلى نفوذ سياسي. واعتبر التقرير أن هذه الجماعات لم يعد لديها سبب يُذكر للخوف من سلطة الدولة، لأنها تساهم بشكل كبير في تشكيلها.
وبموجب هذا النهج، ذكر التقرير أن بإمكان الميليشيات التخلي عن بعض صلاحياتها، والعمل ضمن هياكل الدولة الرسمية، وتعديل سلوكها مع الحفاظ في الوقت نفسه على المكاسب السياسية والاقتصادية التي تراكمت على مدى عقدين من الزمن.
وتستهدف هذه الرؤية، وفق التقرير، إضفاء الطابع الطبيعي على تحول الميليشيات إلى لاعبين سياسيين نظاميين، بغض النظر عن الوسائل العنيفة وغير القانونية التي استخدمها كثيرون للوصول إلى السلطة، موضحاً أن هذه الرؤية تتوافق إلى حد كبير مع المقترحات الأخيرة للزعيم الصدري “الشعبوي” مقتدى الصدر، والتي لاقت ترحيباً سريعاً من رئيس الوزراء الجديد.
بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الرؤية تحظى بقبول متزايد بين بعض النخب السياسية غير الشيعية التي ترى بشكل متزايد أن دمج الميليشيات أفضل من استمرار المواجهة، لأن “قيس الخزعلي اليوم ليس هو قيس الخزعلي قبل أربع سنوات”، على حد تعبير نائب رئيس وزراء إقليم كوردستان قوباد الطالباني.
وبينما لفت التقرير إلى أن "العصائب" وكتائب الإمام علي أعلنتا مؤخراً أنهما ستبدآن بتسليم أسلحتهما للقوات العراقية، إلا أن التفاصيل المتعلقة بنوع الأسلحة التي سيتم تسليمها أو موعد ذلك لم تتضح.
وفي المقابل، نبه التقرير إلى أن فصائل متشددة مثل كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وأنصار الله الأوفياء، تتبنى رؤية مناقضة، وبالنسبة إليها لا يزال مبرر المقاومة المسلحة قائماً، وترفض بالتالي فكرة انتهاء الكفاح ضد الاحتلال الأمريكي، حتى مع تحول الولايات المتحدة من دورها القتالي وسحب قواتها إلى إقليم كوردستان.
وفي حين أشار التقرير إلى أن بين هاتين الرؤيتين المتنافستين يتجلى السؤال العملي حول ما يعنيه نزع السلاح فعلياً، أوضح أن أحد الاحتمالات هو أن تتخلى الفصائل عن أسلحتها الثقيلة كالصواريخ والطائرات المسيرة، مع الاحتفاظ بقواتها البشرية وهياكلها التنظيمية وإمكانية حصولها على تمويل الدولة عبر قوات الحشد الشعبي.
ورأى التقرير الأميركي، أن هذا الاحتمال قد يحد من مخاطر التصعيد الإقليمي، إلا أنه لن يساهم كثيراً في تقليص نفوذ الميليشيات، إلى جانب أن هذه الفكرة ليست مقبولة من جانب الفصائل الأكثر تشدداً، وليس من المرجح أن تحظى برضى واشنطن، التي تسعى إلى طرد المنظمات المصنفة كـ”إرهابية” وقطع التمويل عنها.
أما الاحتمال الآخر، فهو على النقيض بشكل كامل، ويتمثل في نزع سلاح الحشد الشعبي وحله بالكامل، إلا أن هذا الأمر غير وارد سياسياً في المستقبل المنظور، كما أنه ليس واقعياً أن تقوم القوى السياسية الشيعية المهيمنة بتفكيك أحد مراكز قوتها الرئيسية طواعية.
وتابع التقرير أنه بين هذين النقيضين يكمن نهج أكثر انتقائية يستهدف فقط فصائل “المقاومة” الأكثر نشاطاً، مع الحفاظ على وحدات الحشد الشعبي التي لعبت عموماً أدواراً أكثر بناءً. إلا أن التقرير أوضح أن هذا الخيار قد يكون مفرطاً بطموحه وفي الوقت نفسه محدوداً للغاية، لافتاً إلى أن الطموح يكمن في أنه يخاطر بزعزعة استقرار السياسة الشيعية وإثارة مقاومة عنيفة، وهو محدود للغاية لأنه يتيح إبقاء لاعبين مسلحين أقوياء على حالهم.
وبكل الأحوال، فإن كل هذه الخيارات تواجه التحدي الأساسي نفسه والمتمثل في إمكانية التطبيق، وفق التقرير الذي بين أن أي جهد جاد لنزع السلاح يطرح تساؤلات صعبة حول الجهة التي ستنفذه، والقوات المستخدمة، ومخاطر العنف الداخلي بين الشيعة، بينما تتفاقم المشكلة تعقيداً بسبب المنظمات الواجهة، وتداخل سلاسل القيادة، والخطاب السياسي المبهم عمداً.
وخلص تقرير معهد ستيمسون الأميركي، إلى أن من بين التحديات أن إزالة الأسلحة الثقيلة من المعادلة لن تقضي على التحدي الأوسع، لأن الميليشيات لا تحتاج إلى صواريخ لترهيب خصومها. كما أن مما يزيد الأمور تعقيداً حسابات إيران الاستراتيجية، لأن طهران لا تملك حافزاً يُذكر للتخلي عن أصولها التي تزايدت أهميتها بعد سقوط نظام الأسد في سوريا والنكسات التي تعرض لها حزب الله في لبنان، حيث لا تزال الميليشيات في العراق من أهم مكونات شبكة الردع الإقليمية الإيرانية وأدواتها في بسط نفوذها.
وختم التقرير بالقول إن إحراز تقدم ملموس في استعادة السيادة العراقية يتطلب أكثر من مجرد الضغط أو العقوبات أو الدعوات الكلامية، وهو يتطلب غاية نهائية محددة بوضوح، وأهدافاً واقعية، واستراتيجية تطبيق تراعي الواقع السياسي في العراق، مضيفاً أن من دون وضوح بشأن معنى نزع السلاح، ومن يشمله، وكيفية تنفيذه، فإن النقاش حول الميليشيات العراقية ينذر بأن يسلك مسار المواجهة الأمريكية الإيرانية الأوسع، وهو مسار مطول ومحبط وغير حاسم بدرجة كبيرة.

