شفق نيوز-كركوك
على أطراف قلعةكركوك القديمة، حيث تتداخل الجدران الطينية مع آثار قرون متعاقبة من الحكموالحياة، تقف "البنات السبع" كحكاية لا تزال حاضرة في ذاكرة المدينة،تتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل، بين من يراها أسطورة شعبية ومن يعتقد أنها روايةتاريخية فقدت تفاصيلها مع الزمن.
وتقع قلعةكركوك، أعلى مستوطن أثري فوق تل بالمدينة، ويعود تاريخها إلى منتصف القرن الثانيعشر قبل الميلاد، حيث بناها الملك الأشوري (اشورناصربال الثاني) بين عامي 850و884 قبل الميلاد واتخذها مقراً وحصناً له وأحد أهم مراكز جيوشه.
وفي هذا المكانالذي كان يوماً مركزاً للحياة السياسية والاجتماعية في كركوك، ارتبط أحد أبوابالقلعة الشرقية باسم "البنات السبع"، ليصبح علامة رمزية تختلط فيهاالحقيقة بالخيال، ويستحضرها السكان كلما ذُكرت القلعة أو تاريخها القديم.
وتعود القصة،بحسب الروايات الشعبية المتداولة، إلى حادثة يُقال إن سبع فتيات واجهن مصيراًمأساوياً خلال أحد الحصارات التي تعرضت لها القلعة، حيث فضّلن إلقاء أنفسهن منأعلى الأسوار على الوقوع في الأسر، لتتحول قصتهن إلى رمز للتضحية والشجاعة،وتُخلّد في اسم أحد أبواب القلعة.
لكن هذه الرواية،رغم انتشارها الواسع، لا تحظى بتوثيق تاريخي دقيق، ما يجعلها جزءاً من التراثالشفهي الذي شكّل ذاكرة المدينة عبر الزمن.
فقدان التفاصيلالأصلية
وفي هذا السياق،يقول مدير آثار وتراث كركوك، رائد عطلة العبيدي، في تصريح لوكالة شفق نيوز، إن"قلعة كركوك تُعد من أهم المواقع الأثرية في العراق، وتضم أبواباً تاريخيةارتبطت بتسميات شعبية، من بينها ما يُعرف بباب البنات السبع"، مبيناً أن"هذه التسميات تعكس الموروث الشعبي لسكان المدينة، لكنها بحاجة إلى دراسةعلمية دقيقة لفصل الحقيقة التاريخية عن الروايات المتوارثة".
ويضيف العبيدي،أن "القلعة شهدت عبر مراحلها التاريخية الطويلة تغييرات عمرانية ومعماريةمتتالية، الأمر الذي أدى إلى فقدان بعض التفاصيل الأصلية، إلا أنها ما تزال تحتفظبقيمتها بوصفها أحد أهم المعالم التاريخية في كركوك".
من جانبه، يقدّمالباحث الأكاديمي الدكتور عبد الكريم خليفة قراءة نقدية للقصة، حيث يشير إلى أنقصة البنات السبع تندرج ضمن نطاق الأساطير الشعبية التي تتشكل عادة حول المدنالقديمة ذات التاريخ الطويل.
ويوضح خليفة فيحديثه لوكالة شفق نيوز، أن "غياب المصادر الوثائقية يجعل من الصعب اعتمادهاكحدث تاريخي مؤكد".
ويضيف أن قلعةكركوك تمثل طبقات حضارية متعددة تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، ما يجعلها بيئةخصبة لنشوء الروايات والأساطير التي تمزج بين الواقع والخيال، وهو أمر شائع فيالمدن التأريخية القديمة.
قصة البناتالسبع أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية لسكان كركوك، بغض النظر عن مدى دقتهاالتاريخية، بحسب ما يؤكده الباحث في الموروث التأريخي توفيق العطار.
ويقول العطار فيحديث لوكالة شفق نيوز، إن هذه الروايات تشكل عنصراً مهماً في بناء الهويةالثقافية وربط الإنسان بمكانه وتاريخه.
ويشير إلى أن"التاريخ الشفهي في كركوك غني جداً، ويعتمد على النقل المتوارث أكثر منالتوثيق المكتوب، الأمر الذي ساهم في بقاء هذه القصة وغيرها من الحكايات حية حتىاليوم".
حاضرة فيالذاكرة
في الجانبالشعبي، يستحضر أحد سكان القلعة القديمة، عباس القلعالي، هذه الرواية كما سمعهامن كبار السن.
ويستطردالقلعالي في حديثه لوكالة شفق نيوز: "منذ طفولتنا ونحن نسمع قصة البناتالسبع، وكان يُقال إنهن فضّلن الموت على الأسر، ولهذا سُمّي أحد أبواب القلعةبهذا الاسم".
ويضيف، أن"هذه القصة أصبحت جزءاً من هوية القلعة، حتى وإن اختلفت الروايات حولتفاصيلها، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة الناس".
وخلال السنواتالأخيرة، تشهد قلعة كركوك أعمال ترميم وتأهيل تهدف إلى الحفاظ على طابعهاالتاريخي، وإبراز قيمتها كأحد أهم المعالم التراثية في العراق، وسط اهتمام متزايدمن الباحثين والمهتمين بالآثار لدراسة تاريخها المعماري والإنساني.
ويرى متخصصون فيالآثار، أن أهمية القلعة لا تقتصر على كونها بناءً تاريخياً فحسب، بل تمتد لتكونسجلاً حيّاً لذاكرة المدينة، حيث تتداخل فيه الحقائق التاريخية مع الرواياتالشعبية، لتشكل معاً صورة مركبة عن كركوك عبر العصور.
وبينما تبقى قصة"البنات السبع" محل جدل بين من يراها أسطورة شعبية ومن يعتبرها روايةتاريخية محتملة، فإنها تبقى جزءاً من التراث غير المادي للمدينة، وشاهداً علىقدرة الذاكرة الشعبية على صناعة الرموز واستمرارها عبر الزمن، لتظل قلعة كركوكأكثر من مجرد حجارة، بل حكاية مدينة كاملة.