شفق نيوز- ترجمة خاصة
تغيب أدوار المرأة العراقية في مواقع السلطة والإدارات التنفيذية العليا، في ظاهرة تطرح تساؤلات حول مدى المساواة في الفرص بين النساء والرجال في العراق، وهو ما يكشف، بحسب موقع "أمواج" البريطاني، عن وجود هوة عميقة بين نصوص القانون وتطبيقه.
وبداية، ذكّر الموقع البريطاني، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، بانتخابات العام 2021، حين شهدت تحقيق المرأة نتائج تاريخية من خلال الفوز بـ95 منصبا في مجلس النواب، وهو ما تخطى الحصة البرلمانية (الكوتا) التي تم تحديدها دستوريا بنسبة 25٪ من المقاعد للنساء، لافتاً إلى أنه في انتخابات 2025، تراجع هذا الزخم بشكل حاد مع انخفاض عدد النائبات اللواتي انتخبن إلى 84 نائبة.
وذكر الموقع في تقريره أن مما يضاعف من أهمية هذه القضية الآن، هو أن النساء استبعدن إلى حد كبير من الحقائب الوزارية العليا في الحكومة الجزئية التي تتشكل لرئيس الوزراء علي الزيدي، حيث توجد امرأة واحدة فقط في مجلس الوزراء حتى الآن، معتبرا أن هذا التغييب يكشف عن هوة عميقة بين نص القانون وتطبيقه في العراق، ويطرح تساؤلات اساسية حول مستوى تساوي الفرصة فعليا في اعلى مستويات سلطة الدولة.
وبحسب التقرير فقد جرى طرح فكرة حصة المرأة بنسبة 25٪ في مجلس النواب للمرة الأولى من قبل رئيس سلطة التحالف بول بريمر، بعد غزو العام 2003، إلا أنه برغم ذلك، فإنه بدلا من اتخاذ إجراءات لتطبيقها من أعلى إلى أسفل، فإن السلطات الأميركية قاومت في البداية هذه الحصة إلا أنها تراجعت بعد ضغط مكثف وتعبئة من قبل المدافعين عن حقوق المرأة.
وتابع التقرير أنه رغم هذا الانتصار الشعبي، فإن تهمة الفرض الأجنبي تم استخدامها أحيانا من جانب النقاد لنزع الشرعية عن النضال النسوي، حيث جرى اتهام الناشطين في كثير من الأحيان بخدمة أجندات خارجية.
وبحسب التقرير فإن هذه المخاطر التي تواجه المدافعين عن حقوق المرأة، ظهرت بشكل مأساوي في آذار/مارس الماضي، عندما اغتيلت الناشطة النسوية يانار محمد في بغداد من قبل مسلحين مجهولين، والتي امضت حياتها تدافع عن المرأة وتقيم ملاذات آمنة لضحايا العنف المنزلي، ما جلب عليها حملات تشهير من التيارات المحافظة التي كانت تتهمها بالخيانة وبانها حولت الملاجئ إلى بيوت للدعارة.
ولفت التقرير إلى أن الحصة النسائية لم تطبق على تشكيل مجلس الوزراء فيما بعد دستور العام 2005، ولم تحصل المرأة سوى على 6 مواقع من أصل 32 في عهد رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري.
وتابع أن المسالة لم تعالج منذ ذلك الوقت، ففي العام 2022، عين رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، 3 نساء فقط في حكومته المكونة من 23 عضوا، على الرغم من أن النساء في ذلك الوقت شكلن نحو 30٪ من البرلمانيين في مجلس النواب.
وأشار التقرير إلى أن التراجع في التمثيل البرلماني للمراة في العام 2025 كان مدفوعا جزئيا بنجاح المرشحين خارج نظام التخصيص، موضحاً أنه بينما فازت 57 نائبة بمقاعدهن بهذه الطريقة في العام 2021، فإن هذا العدد تراجع الى 25 في انتخابات العام الماضي، حيث أن جانبا من هذا التحول هو إصلاح القانون الانتخابي في العام 2023 للقانون الانتخابي الذي يقول منتقدون إنه جعل من الصعب على المستقلين، وخصوصا النساء من خارج أحزاب السلطة الأساسية، الفوز بمقاعد.
ورأى التقرير أن الفصائل السياسية الراسخة قد تتلاعب بالنظام لتثبيت الموالين للحزب ممن يفتقرون إلى النفوذ الشعبي، وأنه في حين أن المرشحات المنتسبات للحزب، يلتزمن قانونيا بالكتلة السياسية، فإنهن غالبا ما يحتلن مرتبة أقل في القوائم الانتخابية، مضيفا أنه بينما النائبات المنتخبات غالبا ما يكن عاجزات عن الدفع ببرامجهن السياسية أو اعتلاء الرتب.
ولهذا، اعتبر التقرير انه كنتيجة لذلك، فإنه من المرجح أن تظل النساء السياسيات يعتمدن اعتمادا كبيرا على مؤسسات الأحزاب التي يقودها الذكور والتي تعامل الحصة النسائية كسقف قانوني وليس كقاعدة عمل أساسية.
ولفت التقرير إلى أن نظام المحاصصة يساهم في هذا، لأن قادة الأحزاب الذكور هم من يتفاوضون في الغالب على التعيينات وزارية خلف الابواب المغلقة، مضيفا انه عندما تخترق النساء هذا السقف، فإنه يتم تحجيمهن عادة بتكليفهن فيما يسمى حقائب "الخدمات" مثل وزارات البيئة والهجرة والنزوح أو شؤون المراة.
وقال التقرير إنه بدلا من توفير مسار للخدمة العامة، فإنه غالبا ما يتم تسليح البيئة السياسية في العراق بهدف تأديب النساء الطموحات. ونقل التقرير عن نائبة رئيس شبكة النساء العراقيات سهيلة الأعسم قولها إن حملات التشهير والتخويف والتنمر هي تكتيكات بارزة تستخدم لإبعاد الناشطات عن السياسة الرسمية.
لكن التقرير أشار إلى أن هذه الهجمات لا تردع كل النساء على الرغم من أنها يمكن أن تعرقل صعودهن السياسي، لافتاً إلى أن وزيرة البيئة الحالية في حكومة الزيدي، سروة عبد الواحد، النائبة الكوردية، القيادية في كتلة الجيل الجديد، خاضت حملة للرئاسة في العام 2018، وكانت أول امرأة تفعل ذلك، إلا أنها انسحبت بعد شهرين فقط من إعلان ترشيحها بسبب التهديدات عبر الانترنت.
وأشار التقرير إلى أن هذه الديناميات واضحة عبر الطيف السياسي العراقي، مذكرا بأن المرشحة النيابية السابقة والناشطة أميرة الجابر، كانت قد أعلنت عن نيتها الترشح للرئاسة كمستقلة في كانون الثاني/يناير، إلا أنه جرى استبعادها من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.
ولفت إلى مقابلة تلفزيونية للجابر، قالت فيها إن ترشيحها كان هدفه تسليط الضوء على القضايا الجندرية بقدر ما يهدف إلى الاحتجاج على نظام المحاصصة الذي تعتبره مرادفا لتجريد المرأة من تمكينها.
ونقل التقرير عن الجابر قولها إنه "من خلال تقديم نفسي كامرأة تشارك في العمل السياسي، سعيت إلى كسر الحاجز السياسي المبني على تقاسم الحصص والإجماع السياسي". وأشارت أيضا إلى أن حملتها واجهت فورا اتهامات بكونها واجهة للاحزاب السياسية الكبرى، معتبرة أن النساء "بحاجة إلى العمل بجد بشكل مضاعف عن الرجال داخل الأحزاب لخلق مكانة لهن".
كما نقل التقرير عن النائبة السابقة عن الاتحاد الوطني الكوردستاني سوزان منصور، قولها إن الكتل السياسية تجند النساء اللواتي ليس لديهن خبرة مؤسسية سابقة للحصول على أصوات إضافية وتلبية الحصص القانونية وإنما من دون دمجهن بشكل هادف في هياكل صنع القرار.
ولفت التقرير على سبيل المثال أيضا إلى أن الأمانة العامة لحزب الدعوة بقيادة نوري المالكي، تتكون من 400 عضو، إلا أنه لا يوجد سوى 12 عضوا فقط من النساء.
وختم التقرير بالإشارة إلى التناقض الحاد القائم بسبب التقدم المعرقل في العراق، بالمقارنة مع التوجهات الإقليمية الأوسع، حيث تقوم دول مثل المملكة السعودية والإمارات بتعيين النساء بشكل متزايد في أدوار تنفيذية واضحة وبارزة، بما يشمل حقائب وزارية ومناصب السفراء.
ولفت التقرير إلى جمود نظام الحصص العراقي بتحوله أداة تكتفي بالتمثيل العددي، موضحا أن استبعاد المراة من السلطة التنفيذية ليس نتيجة ثانوية عرضية لعملية التحول في العراق، وإنما هو سمة متعمدة لنظام الأحزاب المغلق المصمم لإعادة إنتاج قيادة ذكورية.
ونوه التقرير إلى أن توسع الإصلاحات التشريعية بقوانين الحصص لتشمل تشكيل مجلس الوزراء نفسه، وتخلق حماية قوية ضد الترهيب السياسي، فإن نظام الحصص لن يتحول إلى وسيلة للمساواة الحقيقية.


