شفق نيوز- ترجمة خاصة
تشكل الصدمة المالية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز فرصة أمام حكومة علي فالح الزيدي لإحداث تغيير في المسار الاقتصادي للعراق والخروج من نموذج الدولة الريعية، وذلك بحسب قراءة لمعهد "منتدى الخليج الدولي"، الذي اعتبر أن الأزمة تعزز إمكانية إبرام "صفقة بغداد - أربيل" بدافع الضرورة الفورية.
كما رأى أن الزيدي أظهر أن انخراطه الاقتصادي الواسع مع الولايات المتحدة سيعزز قدرات العراق وسيادته، بدلاً من خلق تبعية خارجية جديدة.
وذكر المعهد، الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أن الاضطرابات في الشحن عبر مضيق هرمز تركت العراق يواجه أكثر من مجرد صدمة فورية في الصادرات، إذ بات أمام مزيج معقد من التحديات يتمثل في تراجع الإيرادات بسبب تعطل الصادرات، إلى جانب احتمال عدم حفاظ سوق النفط العالمية على الأسعار المرتفعة اللازمة لتمويل التزاماته بالإنفاق.
وأضاف أن العراق ما يزال دولة ريعية تعتمد بالدرجة الأولى على النفط، حيث تمول إيراداته الرواتب، والمخصصات المالية، والحماية الاجتماعية، والدعم الغذائي، والكهرباء، والمشاريع الإقليمية، والعقود، وشبكات التوافقات السياسية التي أدارت من خلالها الحكومات المنافسة بين النخب.
وبحسب التقرير، فإنه عندما تصبح عائدات النفط غير مضمونة، فإن السؤال يصبح "أي الشرائح الاجتماعية يجب حمايتها؟ وأي الالتزامات ستتأخر؟ وأي الصفقات السياسية سيتحتم إعادة التفاوض بشأنها؟"، مضيفاً أن ذلك يمثل الاختبار الحقيقي الذي يواجه الزيدي.
وتابع أن الحملة الجديدة للحكومة لمكافحة الفساد يجب أن تُفهم على أنها أكثر من مجرد مبادرة قانونية أو رمزية، مبيناً أنه في الوقت الذي يشعر فيه العراقيون بالقلق من الضغوط المالية وتأخر المدفوعات، وقدرة الدولة على حماية الرواتب والخدمات، سيكون من الصعب معارضة التحرك لمكافحة الفساد علناً، في حين أن قلة من الأطراف السياسية سترغب في الظهور وكأنها تدافع عن شبكات متهمة بالفساد، في وقت يُطلب فيه من السكان تحمل تبعات صدمة الإيرادات الوطنية.
ولهذا، قال التقرير إن هذا الوضع يخلق فرصة مهمة للزيدي، موضحاً أن حملة مكافحة الفساد يمكن أن تؤدي أربع وظائف في الوقت نفسه.
أولها وفقاً للتقرير، طمأنة الجمهور بأن تكاليف التكيف المالي لن يتحملها المواطنون وحدهم، ولا سيما أولئك الذين يعتمدون على الرواتب والمعاشات والخدمات الأساسية.
وثانيها، معاقبة الشبكات السياسية والبيروقراطية التي اعتبرت الوصول إلى المناصب والعقود والمشتريات والأموال العامة مصادر دخل محمية.
وثالثها، توفير غطاء سياسي لإصلاحات كان من الصعب المضي بها، بما في ذلك إصلاح عمليات الشراء، وأولويات الإنفاق، وتحرير الاستثمار، وتعزيز الرقابة على الكيانات المملوكة للدولة والعقود العامة.
أما الوظيفة الرابعة، بحسب التقرير، فتتمثل في إعادة ضبط موقع الزيدي داخل الائتلاف الحاكم، إذ كان يُنظر إليه قبل توليه المنصب بوصفه خياراً توافقياً ومديراً تنفيذياً يتمتع بخبرة تجارية، لكنه يفتقر إلى قاعدة سياسية مستقلة وعميقة، مؤكداً أن حملة مكافحة الفساد تتيح له تجاوز صورة الشخصية التوافقية المؤقتة، ليؤدي دوراً سياسياً أكثر استقلالية.
صفقة مع أربيل
ورجح "منتدى الخليج الدولي" أن تستجيب حكومة الزيدي للأزمة من خلال سلسلة من الصفقات العملية، بدلاً من حزمة إصلاح شاملة واحدة، مشيراً إلى أن أولى هذه الصفقات ستكون صفقة بغداد - أربيل.
وأوضح التقرير أن اضطرابات مضيق هرمز عززت الأهمية الاستراتيجية لطرق التصدير البديلة، ولا سيما نظام خطوط الأنابيب الشمالية عبر إقليم كوردستان وتركيا، مشيراً إلى أن بغداد باتت تمتلك حوافز أقوى للتوصل إلى ترتيبات عملية مع أربيل بشأن الإنتاج، وأحجام التصدير، وتكاليف التشغيل، والإيرادات، وتحويلات الرواتب.
واستبعد أن يقود ذلك إلى تسوية دستورية نهائية للنزاع الطويل حول ملف الهيدروكربونات والسلطة الاتحادية، لكنه رأى أنه قد يفضي إلى صفقة اتحادية تفرضها الضرورة، إذ تحتاج بغداد إلى خيارات تصدير أوسع، فيما تحتاج أربيل إلى تحويلات مالية وإطار أوضح لتكاليف التشغيل وإيرادات النفط، ولهذا، فإن لدى الجانبين حوافز للتعاون، حتى وإن لم يكن أي منهما مستعداً لتسوية الخلاف السياسي الأعمق.
ولفت التقرير، إلى أن بغداد تستطلع أيضاً إمكانية العمل على ممرات لوجستية وروابط إقليمية أوسع، بما في ذلك مع سوريا، موضحاً أن الدبلوماسية الاقتصادية المتنامية للإمارات مع كل من العراق وسوريا تعزز أهمية سياسة الممرات، ودبلوماسية البنية التحتية، والربط الإقليمي.
وأشار إلى أن العراق سيكون بحاجة إلى استعادة قدرته الإنتاجية، وطمأنة شركات النفط الدولية، وتعزيز الأمن التشغيلي، ومعالجة القضايا العالقة المتعلقة بالمدفوعات والتعاقدات، مع مواصلة السعي إلى تحقيق مزيد من المرونة داخل "أوبك"، واستكشاف طرق نقل بديلة.
وخلص التقرير إلى أن السؤال الأهم يتمثل في ما إذا كان الزيدي قادراً على استثمار الأزمة لتغيير المسار الاقتصادي للعراق، مشدداً على ضرورة استغلالها لتحسين بيئة الأعمال للشركات العراقية، بحيث يكون الهدف تحقيق نمو إنتاجي يقوده القطاع الخاص ويوفر فرص عمل، بدلاً من الدخول في دورة جديدة من التعاقدات المرتبطة بالسياسة.
الزيدي في واشنطن
وبحسب التقرير، فإن أهمية زيارة الزيدي الأخيرة إلى واشنطن ستعتمد على قدرته في توظيف الاتفاقيات والشراكات التي أعلن عنها هناك لدفع أجندة اقتصادية عراقية موثوقة، تشمل الاستثمار في البنية التحتية للطاقة، وتطوير القطاع الخاص والقطاع المصرفي، وتسهيل التجارة، وبناء شراكات تكنولوجية، وتعزيز الضمانات المؤسسية لمكافحة الفساد.
واعتبر أن الزيدي مطالب بإثبات أن الانخراط الاقتصادي العميق مع الولايات المتحدة يعزز سيادة العراق وقدرته الإنتاجية، بدلاً من خلق تبعية خارجية جديدة، مع ضرورة إدارة الحساسيات الداخلية والإقليمية التي قد ترافق أي تحول في علاقة بغداد بواشنطن.
الفرصة الضيقة
وتابع التقرير، قائلاً إن صدمة هرمز كشفت عن ضعف هيكلي في الاقتصاد السياسي العراقي بعد عام 2003، إذ أُقيمت دولة قادرة على إنفاق عائدات النفط، لكنها لم تتمكن حتى الآن من بناء مرونة مالية كافية لإدارة حالة عدم اليقين المستمرة في الإيرادات من دون التعرض لضغوط سياسية فورية.
ومع ذلك، رأى أن حكومة الزيدي تواجه نافذة ضيقة، لكنها مهمة، إذ يمكنها إما العودة إلى المعادلة القديمة المتمثلة في استئناف صادرات النفط، وحماية شبكات التوزيع الحالية، وتأجيل الإصلاحات الصعبة، وانتظار ارتفاع الأسعار لتخفيف الضغوط، أو استثمار الأزمة لإطلاق عملية انتقال أكثر صعوبة، تقوم على حماية المواطنين والخدمات الأساسية، وتطبيق صارم لإجراءات مكافحة الفساد، والتفاوض على ترتيبات اتحادية عملية، وتقليل الحواجز أمام الاستثمار الدولي والإقليمي، وبناء نموذج مالي واقتصادي أكثر مرونة.
وختم التقرير بالقول إن "الصدمة المالية الفورية حادة، ومع ذلك، فمن الناحية الاستراتيجية، قد لا يكون هناك تذكير أوضح للعراق بأن الدولة الريعية لم تعد كافية للبلد الذي أصبح عليه".


