شفقنيوز- ترجمة خاصة

رأتقراءة سياسية كوردية أن منح رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني وسام "نجمةإيطاليا" بدرجة "فارس الصليب الأكبر" لا يمثل مجرد تكريم بروتوكوليلشخصية سياسية، بقدر ما يعكس انتقال العلاقات بين روما وأربيل من التعاون التقليديإلى مستوى أقرب إلى الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد.

وكانالسفير الإيطالي لدى العراق نيكولو فونتانا قد منح نيجيرفان بارزاني الوسام، فيالثامن من تموز/ يوليو الجاري، نيابة عن الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، في خطوةقالت رئاسة إقليم كوردستان إنها الأولى من نوعها على مستوى العراق والإقليم.

وأوضحالسفير أن القرار جاء تقديراً لدور بارزاني في تعزيز العلاقات ودعم الحواروالسلام، إلى جانب مساندته الشركات الإيطالية والقوات العسكرية والبعثات الأثريةالعاملة في إقليم كوردستان.

وبحسبقراءة نشرتها شبكة "بينوس" الكوردي، وترجمته وكالة شفق نيوز، فإن أهميةالتكريم لا تتعلق بمنح الوسام فحسب، بل باختيار درجة "فارس الصليبالأكبر"، وهي أعلى الدرجات الاعتيادية الخمس في وسام "نجمةإيطاليا"، الذي يمنحه رئيس الجمهورية بناءً على اقتراح وزير الخارجية وبعدمراجعة مجلس الوسام.

ووفقاًللرئاسة الإيطالية، أُعيد تنظيم الوسام بقانون صدر عام 2011، ليُمنح للأشخاص الذينيقدمون إسهامات متميزة في تطوير علاقات الصداقة والتعاون بين إيطاليا والدولالأخرى وتعزيز الروابط مع روما.

وتشملدرجاته "فارس الصليب الأكبر" و"الضابط الأكبر"و"القائد" و"الضابط" و"الفارس"، فضلاً عن درجةشرفية خاصة مرتبطة بالخدمات الإنسانية الاستثنائية.

وتشيرالقراءة إلى أن اختيار أعلى درجة اعتيادية يعني أن التقييم الإيطالي لدور بارزانيلم يرتبط بملف واحد أو إنجاز مؤقت، وإنما بمجموع نشاطه في المجالات السياسيةوالأمنية والاقتصادية والثقافية، فضلاً عن موقعه على رأس مؤسسة دستورية تؤدي دوراًمؤثراً داخل العراق وفي علاقاته الخارجية.

وتعودالعلاقات المؤسسية بين إقليم كوردستان وإيطاليا إلى مرحلة ما بعد عام 2003، قبل أنتتطور مع افتتاح القنصلية العامة الإيطالية في أربيل، التي تحولت إلى قناة لتنسيقالعلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، فضلاً عن تقديم الخدمات القنصلية.

غيرأن الحرب ضد تنظيم "داعش" بعد عام 2014 شكلت نقطة التحول الأبرز، بعدماانضمت إيطاليا إلى التحالف الدولي وقدمت دعماً مباشراً لقوات البيشمركة والجيشالعراقي، شمل إرسال مدربين ومستشارين عسكريين والمساهمة في التدريب على مكافحةالإرهاب وإبطال المتفجرات والقيادة والتخطيط العملياتي.

وترىالمادة أن هذا التعاون نقل العلاقات من التنسيق الدبلوماسي والاقتصادي إلى شراكةأمنية، إذ بات إقليم كوردستان في الرؤية الإيطالية شريكاً موثوقاً في مواجهةالإرهاب وعنصراً مهماً في استقرار العراق وحماية الأمن الإقليمي والأوروبي.

وفيالجانب الاقتصادي، تزايد اهتمام الشركات الإيطالية بقطاعات النفط والغاز والطاقةالمتجددة والبنى التحتية والصناعات الغذائية والأدوية والزراعة وإدارة المياهوالمعدات الصناعية.

ولاتفصل القراءة هذا الاهتمام عن استراتيجية أوسع تتبناها روما لتنويع شراكاتهاالاقتصادية ومصادر الطاقة الأوروبية، إذ ينظر إلى العراق وإقليم كوردستانباعتبارهما جزءاً من البدائل المحتملة لتعزيز أمن الطاقة، إلى جانب ما يوفرهالإقليم من بيئة استثمارية أكثر استقراراً مقارنة ببعض مناطق الشرق الأوسط.

كماشهدت السنوات الأخيرة تكثيفاً للزيارات واللقاءات بين نيجيرفان بارزاني وكبارالمسؤولين الإيطاليين، بينهم الرئيس سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الوزراء جورجيا ميلونيووزير الخارجية أنطونيو تاياني، وهي لقاءات أكدت خلالها روما أن الإقليم يمثلعاملاً مهماً لاستقرار العراق والمنطقة، مع استعدادها لتوسيع التعاون السياسيوالأمني والاقتصادي.

ولمتقتصر العلاقات على الأمن والاقتصاد، إذ تعد الثقافة والآثار والتعليم العالي منأكثر مجالات التعاون استمرارية. وتعمل بعثات أثرية إيطالية عدة داخل إقليمكوردستان، إلى جانب برامج تعاون جامعي وبحثي ومبادرات لحماية التراث وتطويرالسياحة الثقافية.

وتندرجهذه النشاطات ضمن مفهوم "منظومة إيطاليا"، الذي تقوم بموجبه السياسةالخارجية الإيطالية بتوظيف الجامعات ومراكز البحوث والبعثات الأثرية والقطاع الخاصلتعزيز الحضور الإيطالي خارج البلاد.

ووفقالقراءة، فإن منح الوسام يعكس كذلك تقديراً إيطالياً لخطاب بارزاني القائم علىالاعتدال والحوار والتعايش وحماية المكونات الدينية والقومية، وهي قيم تتقاطع معأولويات السياسة الخارجية الإيطالية في مجالات الحوار بين الأديان وحماية التنوعالثقافي.

كماترى روما في بارزاني محاوراً مؤسسياً يمكن التواصل معه بشأن الملفات العراقيةوالإقليمية، نظراً إلى شبكة علاقاته الدولية واستمرار تواصله مع الحكوماتالإيطالية المتعاقبة، رغم التغيرات السياسية والأمنية التي شهدها العراق والمنطقة.

ومنهذا المنظور، يمكن قراءة الوسام على أنه تقدير لما تصفه المادة بـ"الموثوقيةالسياسية"، أي القدرة على الحفاظ على خطاب متوازن وعلاقات مستقرة وسلوكدبلوماسي يمكن توقعه والتعامل معه على المدى الطويل.

وتحملالخطوة أيضاً رسالة تتعلق بموقع إقليم كوردستان داخل العراق، إذ إن منح هذاالمستوى من التكريم لرئيس إقليم اتحادي، وليس لرئيس دولة مستقلة، يعكس اعترافاًإيطالياً بالدور الخارجي المشروع لمؤسسات الإقليم الدستورية، وبقدرتها على العملشريكاً مؤسسياً ضمن الدولة العراقية.

ومعذلك، لا تضع القراءة هذا الاعتراف في مواجهة بغداد، بل تعده رسالة مفادها أن دعممؤسسات إقليم كوردستان لا يتناقض مع دعم الحكومة الاتحادية، وأن استقرار العراقيتطلب علاقة مستقرة وبنّاءة بين بغداد وأربيل.

كمايحمل الوسام، وفق التحليل، رسالة إلى القيادة الكوردستانية بأن مواصلة الحوار معبغداد، والانفتاح على الشركاء الدوليين، والالتزام بالتعاون الأمني والاقتصادي،تشكل نهجاً يحظى بالتقدير الأوروبي.

وتخلصالمادة إلى أن التكريم الإيطالي يجمع بين بعدين شخصي ومؤسسي، فهو من جهة اعترافبدور نيجيرفان بارزاني في بناء العلاقات والمحافظة عليها، ومن جهة أخرى تعزيزللمكانة الدبلوماسية لرئاسة إقليم كوردستان باعتبارها قناة معترفاً بها لإدارةجانب من علاقات إيطاليا مع العراق.

وبهذاالمعنى، لا يبدو وسام "نجمة إيطاليا" مجرد إشادة دبلوماسية، وإنماإعلاناً رمزياً عن مستوى الثقة الذي بلغته العلاقات، وتشجيعاً لنمط سياسي يستندإلى الاعتدال والتفاوض والتعاون المؤسسي والابتعاد عن التصعيد، في منطقة تتزايدفيها الأزمات والاستقطابات.