شفق نيوز- بغداد/ دمشق

يمثل مشروع إعادة تأهيل خط الأنابيب العراقي–السوري"الحديثة–بانياس" المرتبط تاريخياً بمسار خط "كركوك–بانياس"،تحولاً استراتيجياً للعراق، إذ يمنحه منفذاً إضافياً لتصدير النفط عبر البحرالأبيض المتوسط، ويقلل من اعتماده على مضيق هرمز، فضلاً عن تعزيز التعاونالاقتصادي مع سوريا وإحياء أحد أبرز خطوط نقل الطاقة في المنطقة.

ودخل المشروع مرحلته التحضيرية عقب توقيع مذكرتي تفاهم، الأولى بينالجانبين العراقي والسوري، والثانية مع ائتلاف من الشركات الدولية، بحسب الشركةالسورية للبترول، مشيرة إلى أن المذكرتين تشكلان بداية المرحلة التحضيرية للمشروع.

وأوضحت الشركة لوكالة شفق نيوز، أن المرحلة الحالية تشمل إعدادالدراسات الفنية والاقتصادية والمالية، إلى جانب تقييم واقع خط الأنابيب والمنشآتالمرافقة، تمهيداً للانتقال إلى الاتفاقيات التنفيذية والبدء بالعمل وفق جدول زمنييتم الاتفاق عليه بين جميع الأطراف.

وأشارت إلى استمرار التنسيق بين الجهات المختصة في سوريا والعراق فيكل ما يتعلق بحركة النقل عبر المعابر والإجراءات الفنية والأمنية، بما يضمنانسيابية العمل وتأمين عمليات نقل النفط وفق الأطر الرسمية المعتمدة.

وفيما يتعلق بحركة صهاريج النفط، بينت أن أعداد الصهاريج التي تعبريومياً من العراق إلى سوريا عبر المنافذ الرسمية تختلف بحسب الكميات المتعاقد عليها،والاحتياجات التشغيلية، والظروف اللوجستية، لذلك لا يمكن إعطاء رقم دقيق في الوقتالحالي.

أبعاد استراتيجية واعدة

وفي قراءة للأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية للمشروع، أكد المستشارالاقتصادي السوري، زياد أيوب عربش، أن المشروع لا يقتصر على إعادة تشغيل خط نفطيمتوقف، بل يشكل ركيزة لإعادة تموضع سوريا على خريطة الطاقة الإقليمية، بما ينعكسإيجاباً على الاقتصاد الوطني ويعزز فرص التكامل الاقتصادي مع دول الجوار.

وأضاف عربش لوكالة شفق نيوز، أن المشروع يمثل، من الجانب العراقي،بديلاً استراتيجياً لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 95% منصادرات العراق النفطية، وهو ما يمنح بغداد منفذاً إضافياً أكثر أماناً في ظل التوتراتالإقليمية والمخاطر التي قد تعيق الملاحة في المضيق.

ولفت إلى أن إعادة تشغيل الخط تحظى باهتمام دولي، إذ أشارت وزارةالخارجية الأميركية إلى أن إعادة تأهيله تندرج ضمن مشاريع البنية التحتية ذاتالأولوية والأهمية الاستراتيجية على المستويين الثنائي والإقليمي.

ووفقاً للمستشار الاقتصادي، فإن أهمية المشروع لا تقتصر على نقل النفطالخام، بل قد يشكل نقطة انطلاق لمشاريع مستقبلية في قطاع الطاقة، من بينها إنشاءخطوط لنقل الغاز الطبيعي، بما يعزز فرص التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة، ويعيدتأكيد دور سوريا كمركز إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.

عوائد اقتصادية مباشرة

وأكد عربش أن المشروع سيحقق عوائد اقتصادية مباشرة لسوريا، أبرزهاإيرادات سنوية من رسوم عبور النفط تتراوح بين 150 و200 مليون دولار، بما يوفرمورداً مالياً مستداماً للخزينة العامة.

وأكمل أن من بين المكاسب المتوقعة أيضاً توفير النفط الخام بأسعار أقللدعم قطاع الطاقة المحلي، وتحفيز مشاريع إعادة الإعمار، خاصة في حال إنشاء مصفاةعلى الساحل السوري لتلبية احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية، مع إمكانيةتصدير الفائض إلى لبنان.

ورأى أن العائدات المتوقعة يمكن أن تسهم، على المدى الطويل، في تطويرالموانئ السورية وتحديث البنية التحتية المرتبطة بقطاعي الطاقة والنقل.

واعتبر أن المشروع سينعكس إيجاباً على عدد من القطاعات الاقتصادية،وفي مقدمتها قطاع التكرير والطاقة، والخدمات اللوجستية والنقل، وقطاع التشييد والبناء،إلى جانب مختلف الخدمات المساندة.

كما يوفر المشروع، بحسب عربش، فرص عمل مباشرة في مجالات التشغيلوالصيانة، إلى جانب فرص غير مباشرة في قطاع الخدمات، مع توقعات بجذب استثماراتأجنبية جديدة، خاصة بعد رفع العقوبات عن وزارة النفط السورية في تموز/ يوليو من العامالماضي.

تحديات مالية وفنية

ورغم الفرص الاقتصادية التي يوفرها المشروع، لفت عربش إلى أن تنفيذهيواجه مجموعة من التحديات، أبرزها تكلفة إعادة التأهيل التي تتراوح تقديراتها بين6 و8 مليارات دولار، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار مواد البناء والمعدات النفطية،إلى جانب الأوضاع الاقتصادية الصعبة في كل من سوريا والعراق.

وأضاف أن التحدي الثاني يتمثل في تآكل أجزاء واسعة من البنية التحتيةللخط، إذ توقف جزء منه عن العمل منذ عام 2003، ما يستدعي إجراء تقييم فني شاملواستبدال العديد من مكوناته، مع إمكانية الحفاظ على مساره الحالي مع بعض التعديلات.

وأشار إلى أن نجاح المشروع يرتبط بعدة عوامل أساسية، أبرزها توفيرالتمويل اللازم من خلال شراكات واستثمارات دولية، ولا سيما مع الشركات الغربيةالمشاركة في الائتلافات الاستثمارية، إلى جانب توفير ضمانات أمنية فعالة لحماية خطالأنابيب من أعمال التخريب، وتوقيع عقود طويلة الأجل لتصدير النفط بما يضمناستدامة الإيرادات وتغطية تكاليف التشغيل والاستثمار.

وختم عربش بأن توقيع مذكرة التفاهم لإعادة تأهيل خط أنابيب كركوك –بانياس يمثل خطوة استراتيجية قد تعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة، وتوفر مكاسباقتصادية وسياسية لكل من سوريا والعراق، مؤكداً أن نجاح المشروع سيظل مرهوناًبقدرة الأطراف المعنية على تجاوز تحديات التمويل والأمن وتحقيق الاستقرار السياسياللازم لإنجازه.

توقيع برعاية أميركية

ووقع العراق وسوريا، برعاية أميركية، يوم الجمعة الماضي، (17 تموز/يوليو الجاري)، مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل وتشغيل خط أنابيب النفط"كركوك–بانياس"، بعدما توقف عن العمل إثر الأضرار التي لحقت به خلالالغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وجرى توقيع الاتفاق ومذكرة التفاهم في العاصمة الأميركية واشنطن بينشركة "نفط البصرة" و"الشركة السورية للنفط"، بحضور وزيرالطاقة الأميركي كريس رايت ورئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي، فيما ستتولىشركة "شيفرون" الأميركية، عبر تحالف دولي، إدارة الجوانب الفنيةوالمالية لمشروع إعادة التأهيل.

ورحبت الولايات المتحدة بالاتفاق، معتبرة المشروع أولوية استراتيجيةعلى المستويين الثنائي والإقليمي. وأشارت وزارة الخارجية الأميركية في بيان إلى أن"الخط سيبلغ عند تشغيله طاقة نقل أولية تصل إلى مليوني برميل يومياً، بمايعيد ربط النفط العراقي بأسواق التصدير عبر البحر الأبيض المتوسط، ويعزز الأمنوالاستقرار الإقليميين من خلال التعاون الاقتصادي".

وجاء هذا الاتفاق في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقةالعالمية، مع تراجع حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز نتيجة التصعيد العسكري بينالولايات المتحدة وإيران، ما يُعزز أهمية إيجاد مسارات بديلة لتصدير النفط.

ويأتي الاتفاق ضمن حزمة أوسع من التفاهمات الاقتصادية بين بغدادوواشنطن، إذ وقع العراق نحو 50 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع شركات أميركية، بقيمةإجمالية تصل إلى 60 مليار دولار، تشمل قطاعات الطاقة والرعاية الصحية والتمويلوالتكنولوجيا.