شفق نيوز - ترجمة خاصة
رسمت مجلة "فورين آفيرز" الأميركية ملامح التبدلات الجارية حالياً في مشهد القطبية الأحادية التي برزت عقب حرب تحرير الكويت من صدام حسين عام 1991، وهي الهيمنة التي بدأت تتغير في ظل القواعد الجديدة للقوة العالمية التي باتت الحرب الإيرانية تفرضها.
وقالت المجلة الأميركية، في تقرير لها بعنوان "إيران والقواعد الجديدة للقوة العالمية"، ترجمته وكالة شفق نيوز، إن معظم الحروب تتلاشى من التاريخ، وهناك عدد قليل من الحروب التي تقسم التاريخ إلى ما قبل وما بعد، مبينةً أنه بالنسبة لعالم ما بعد الحرب الباردة، فإن حرب الخليج عام 1991 كانت واحدة من تلك اللحظات، إذ أدى الصراع إلى تحرير الكويت، لكنه أطلق العصر الذي تلا ذلك، وهو عصر يُشار إليه عادة باسم عصر القطبية الأميركية الأحادية، عندما عززت القوة العسكرية الأميركية، التي لا مثيل لها، العولمة والازدهار المتزايد والاستقرار النسبي.
لكن التقرير الأميركي اعتبر أن "هذا العصر قد انتهى الآن"، إذ لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بالميزة العسكرية التي امتلكتها عام 1991، موضحاً أنه بفضل العولمة نفسها، لم تعد الأنظمة اللازمة لشن الحروب الدقيقة تقتصر على مجموعة من القوى العظمى، بل أصبحت في متناول قوى فاعلة باتت قادرة على الوقوف في وجه دول أقوى منها بكثير.
وذكر أن انتصار عام 1991 امتدت أهميته أميركياً إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة، إذ أثبت المكانة الاستثنائية للولايات المتحدة، مؤكداً أنه مع تفكك الاتحاد السوفيتي، لم تواجه واشنطن أي خصم كبير، وتموضعت في مركز الشبكات المالية والتكنولوجية والتحالفات العالمية، وكانت تتباهى بقدرات عسكرية متطورة لا تستطيع أي قوة أخرى مضاهاتها، فتحولت إلى حالة استثنائية في التاريخ الحديث، وأصبحت دولة لا ينافسها نظير.
وبحسب التقرير، فإن عملية "عاصفة الصحراء" حولت المقاييس المجردة للقوة الأميركية إلى تجربة حية، وأصبح العالم يدرك بصورة مشتركة ما تعنيه الهيمنة العسكرية الأميركية في الممارسة العملية، معتبراً أن الحرب الإيرانية تجسد الآن دوران العجلة، إذ بينما منحت حرب الخليج الهيمنة الأميركية، فإن المواجهات الدائرة حول مضيق هرمز تكشف عن القيود الأميركية، وتظهر ملامح عصر جديد يطيح بافتراضات مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
وتابع أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على إخضاع الآخرين لإرادتها من خلال استخدام القوة بكلفة منخفضة، مضيفاً أن القوى الأضعف تعلمت فضائل التحدي، وأصبحت تمتلك الأدوات اللازمة لفرض تكاليف باهظة على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها.
وأضاف التقرير، أن قواعد السلطة التي حكمت حقبة ما بعد الحرب الباردة بدأت بالذوبان، وأن العالم بات ينتظر نظاماً دولياً أكثر خطورة، تتكاثر فيه الأزمات، وترتفع فيه تكاليف حماية التجارة العالمية، وتتصاعد فيه المنافسة على نقاط الاختناق الاستراتيجية، مشيراً إلى أن الأسلحة دقيقة التوجيه بدأت تحل واحدة من أقدم المشكلات في التاريخ العسكري، إذ لم تعد القوى العظمى بحاجة إلى غزو الأراضي من أجل تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وأصبح بإمكان القوة الجوية، بفضل التكنولوجيا، أن تحل محل القوة البرية على الأرض.
وبحسب المجلة الأميركية، فإنه بات وضحاً، وهو أن الولايات المتحدة قادرة على قمع من يقاومها من دون الاضطرار إلى احتلال مساحات واسعة من الأراضي، مضيفة أن الحرب الإيرانية تكشف الآن حدود هذه الفرضية، مع انطلاق "ثورة ثانية" في الحروب الدقيقة.
ولفت إلى أنه إذا كانت الصورة التي اختزلت حرب كانون الثاني/يناير 1991 هي صورة قنبلة موجهة بالليزر تصيب عموداً هوائياً في بغداد، فإن الصورة التي تختزل الحرب الإيرانية هي طائرة مسيّرة صغيرة جُمعت من إلكترونيات تجارية، وأطلقها فريق متنقل في مكان ما على طول الساحل الجنوبي لإيران، لتحلق نحو أهداف في الخليج، مؤكداً أن انتشار التكنولوجيا وفر طائرات مسيّرة منخفضة الكلفة، وصواريخ كروز، وأجهزة استشعار تجارية، وفرق إطلاق متنقلة.
ولفت إلى أن هدف إيران لم يكن أبداً هزيمة القوة البحرية الأميركية بصورة مباشرة، كما كان يحدث في المعارك البحرية التقليدية بين السفن، وإنما كان الهدف إقناع الجهات التجارية الفاعلة بأن القوة البحرية الأميركية لم تعد قادرة على ضمان أمنها، وهو ما ترسخ خلال الأسابيع التي تلت اندلاع الحرب.
ووفقاً للتقرير، فإن الرد الأميركي على محاولة إيران إغلاق مضيق هرمز استند إلى المنطق التقليدي للقوى العظمى، إذ شنت الولايات المتحدة، إلى جانب إسرائيل، ضربات استهدفت مواقع الرادار، وبطاريات الصواريخ، ومرافق الطائرات المسيّرة، ومناطق الإطلاق في أنحاء جنوب إيران، إلا أن الأنظمة الإيرانية البديلة ظهرت بسرعة، وما بدا في البداية مشكلة بحرية تحول تدريجياً إلى مشكلة إقليمية.
كما تحدث قائلاً إن نجاح إيران في تدمير مروحية "أباتشي" خلال شهر حزيران/يونيو يكشف عن المأزق الأميركي، إذ إن مروحية متطورة تبلغ قيمتها نحو 35 مليون دولار دُمرت بواسطة طائرة مسيّرة من طراز "شاهد" لا تتجاوز كلفتها 20 ألف دولار، لافتاً إلى أن أقوى جيش على هذا الكوكب لا يمكنه القضاء على تهديد الطائرات المسيّرة الرخيصة.
واعتبر التقرير، أن استمرار التحدي الإيراني للولايات المتحدة يمثل أكثر من مجرد نجاح تكتيكي، إذ تتعامل إيران مع المسارح المنفصلة بوصفها مكونات لنظام استراتيجي واحد، من خلال دعمها لأنشطة حزب الله في لبنان، والفصائل المتحالفة معها في العراق، والحوثيين في اليمن، إضافة إلى استهداف القواعد الأميركية والبنية التحتية الحيوية في دول الخليج المجاورة، وهو ما أسهم في نشوء نفوذ إيراني لا يقوم على الغزو، وإنما على إثارة الاضطراب المستمر، مبيناً أن الثورة الثانية في التكنولوجيا الدقيقة تجعل تحقيق مثل هذا الاضطراب الواسع أمراً ممكناً.
ونوه إلى أنه قد لا يكون مقدراً لإيران أن تتحول إلى القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، نظراً إلى استمرار ضعف اقتصادها، وبقاء جيشها التقليدي أدنى من جيشي الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن نجاحها العملياتي قد يولد فرصة سياسية، مضيفاً أنه إذا خلصت الحكومات والأسواق والقوى الخارجية بصورة متزايدة إلى أنه لا يمكن اتخاذ أي قرار رئيسي في الخليج من دون الأخذ في الاعتبار ما تفضله إيران، فإن النفوذ العسكري الإيراني سيتحول تدريجياً إلى نفوذ سياسي.
وتابع التقرير، حديثه بالقول إن انتشار التقنيات الدقيقة قلب المعادلة، موضحاً أن الانتصار الأميركي السريع والحاسم في حرب الخليج أظهر أن الحرب الدقيقة سمحت للقوى العظمى بالسيطرة على الأرض بكلفة منخفضة نسبياً، إلا أن الحرب الإيرانية تُظهر اليوم أن انتشار التكنولوجيا الدقيقة يربك القوى العظمى ويجعل من الصعب عليها السيطرة على المساحات المتنازع عليها.
المعركة التالية
وذكر التقرير أن ما جرى في مضيق هرمز قد يتكرر على نطاق أوسع في شرق آسيا، مبيناً أن السيناريو التقليدي للصراع حول تايوان يستند إلى فرضية مفادها أن الصين تفرض حصاراً على الجزيرة، بينما تعاني تايوان من تبعات ذلك الحصار، إلا أن الثورة الثانية في التكنولوجيا الدقيقة تطرح احتمالاً أكثر تعقيداً، يتمثل في قدرة تايوان على استخدام الطائرات المسيّرة، وبطاريات الصواريخ المتنقلة، وأجهزة الاستشعار التجارية، والذكاء الاصطناعي، لتعطيل التجارة البحرية الصينية وتهديدها.
وطبقاً للمجلة، فإن نحو خمس التجارة البحرية العالمية يمر عبر مضيق تايوان، ما يجعله واحداً من أهم الممرات المائية الاقتصادية في العالم، لافتة إلى أن نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي للصين يعتمد على التجارة، التي يذهب الجزء الأكبر منها عن طريق البحر.
واستطرد التقرير: "كما اختارت إيران تسليح نقطة الاختناق في مضيق هرمز، فإن بإمكان تايوان أن تفعل الشيء نفسه، إذ يمكنها أيضاً استهداف الموانئ البحرية الرئيسية في الصين، بما في ذلك موانئ شنغهاي، ونينغبو - تشوشان، وشنتشن، منوهاً إلى أن تايوان ليست بحاجة إلى إغراق عدد كبير من السفن، إذ إن مجموعة من هجمات الطائرات المسيّرة، أو حتى احتمال وقوع هجمات مستقبلية، من شأنها أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار التأمين، وإعادة شركات النقل التجاري تقييم المخاطر، وتراجع حركة الملاحة، وهو ما سيحدث اضطراباً اقتصادياً حتى لو ظل الدمار المادي محدوداً، كما أن اعتماد العالم على السلع الصينية سيجعل تأثير ذلك شديداً على معظم البلدان، وقد يقود إلى انكماش الاقتصاد العالمي.
وبحسب التقرير، فإن المعاناة الأميركية خلال الحرب الإيرانية قد تدفع الصين إلى إدراك حماقة مهاجمة تايوان، التي يمكنها تكرار الاستراتيجية الإيرانية، مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات هائلة على الصين والعالم.
مبادئ السلطة الجديدة
وأكد التقرير، أنه من الممكن أن تندلع الصراعات المستقبلية بصورة متزايدة حول نقاط الاختناق الاقتصادية الرئيسية في العالم، بما في ذلك مضيق تايوان، وبحر الصين الجنوبي، ومضيق ملقة، والبحر الأحمر، ومضيق هرمز نفسه.
وأوضح أن ارتفاع معدلات التأمين، وزيادة تكاليف الشحن، والحاجة إلى الاحتفاظ بمخزونات أكبر ومخزونات استراتيجية، والضغوط السياسية الداعمة للإنتاج المحلي، كلها عوامل من شأنها أن ترفع تدريجياً تكاليف التجارة الدولية. وأضاف أنه، نتيجة لذلك، ستظهر مجموعة جديدة من الافتراضات التي ستعيد تشكيل النظام العالمي وقواعده.
ولفت إلى إن التفوق العسكري الأميركي لم يعد يضمن تحقيق النتائج السياسية بكلفة منخفضة، وإن الولايات المتحدة، رغم امتلاكها قوة تدميرية لا مثيل لها، فإن تدمير الأهداف شيء، وتحديد النتائج السياسية شيء آخر. وأضاف أن معاقبة الأعداء شيء، بينما إخضاعهم شيء آخر، وهو ما تجد الولايات المتحدة صعوبة متزايدة في تحقيقه.
ورأى التقرير أن التصعيد لم يعد يصب في مصلحة واشنطن كما كان في السابق، لأن الأسلحة الدقيقة، والجغرافيا، والشبكات الموزعة التي تعتمد عليها الجهات الفاعلة الأضعف، تؤدي إلى رفع التكاليف بوتيرة أسرع من قدرة القوى الكبرى على إخضاع خصومها، مشيراً إلى أن التدخل الأميركي لم يعد يضمن الاستقرار الاقتصادي في المناطق المستهدفة.
"طوال ثلاثة عقود، افترضت الأسواق أن القوة الأميركية تسهم في تقليص المخاطر، لكن التدخلات الأميركية باتت اليوم، بدلاً من ذلك، تثير مزيداً من عدم اليقين"، مؤكداً أن "العولمة خلقت ازدهاراً استثنائياً، لكنها في الوقت نفسه أوجدت نقاط ضعف لا تستطيع القوة العسكرية وحدها معالجتها بسهولة"، بحسب تفاصيل التقرير.
واعتبر أن القوى الأضعف باتت ترى اليوم أن تحدي الولايات المتحدة أمر ممكن، وأن مقاومتها قد تكون مجدية، إذ لم تعد هذه الجهات بحاجة إلى إلحاق هزيمة عسكرية بالولايات المتحدة، وإنما يكفيها زعزعة الثقة، وفرض التكاليف، وتجاوز التوقعات التي ترجح هزيمتها، ولم يعد الهدف تحقيق نصر تقليدي في ساحة المعركة، بل خلق النفوذ من خلال الاضطراب المستمر.
وبهذا المعنى، قال التقرير إن كل دولة أضعف بات بإمكانها اليوم إحباط الولايات المتحدة، ولا سيما مع انتشار تقنيات الثورة الدقيقة الثانية، مضيفاً أن الجغرافيا، والأهداف الاستراتيجية، وإمكانية الوصول إلى الأنظمة الدقيقة منخفضة الكلفة، هي العوامل التي سترسم ملامح البيئة الجيوسياسية الجديدة.
وختتم التقرير، قراءته بالقول إن مضيق هرمز قد لا يكون سوى البداية، موضحاً أنه إذا تكررت الآليات نفسها حول تايوان، فإن الحقبة المقبلة من السياسة الدولية لن تتحدد بتوسيع العولمة، بل بتكاليف حمايتها.



