الى بدر شاكر السياب الذي قال "بغداد مبغى كبير"

تقرير...سكاي برس

.دراسة تاريخية، هدفها  تسليط الضوء على جوانب معينة من تاريخ العراق الاجتماعي،من الازقة المظلمة في ليل بغداد الحالك.والذي لم يحظي بدراسة مستفيظة ولم ينل اي اهتمام من قبل الدارسين.وإنه أي ( البغاء ) ظاهرة اجتماعية، كما هي ظاهرة سياسية أيضاً يزداد حجمها نتيجة الحروب والوضع الأقتصادي، والأمن المتردي

مدخل.

هل صحيح نحن امة لا تجيد فن الاعتذار فعندما نعتذر ..نعتذر  اعتذارا مزيفا مثل : انا اسف ولكن .او انا اسف لم تفهم قصدي .

تقريرا اليوم ينصب تحت هذه الطائلة او هذا البند من الاعتذار .وهو نحن نعتذر عن هكذا تقرير او هكذا كلمات بذيه قد تقرئها...لأن البحث في هكذا موضوع يستوجب ذكر بعض المفردات التي يظنها البعض أنها تخدش الحياء ،اوتسيي للادب .ولكن أي عهدر مما نحن فيه .واقصد العهر السياسي والذي اوصل البلد الى مانحن فيه من فجور وصل الى حد الكفر.

ذالك العهر وتلك البذاءة التي  اوصلت  شاعرا مثل المرحوم رحيم المالكي لكي يستنجد بالمرأة الشريفة العفيفة( حسنة ملص)لتنقذ الشعب مما الا اليه من فجور سياسي...

والتي يقول في مطلعها  :

ياهو المنج اشرف خاطر اشكي له           دليني يحسنة اوباجر امشي له

امشي له وسولف كل حجي المضموم     كَبل حفاي كَالو هسه ماكو اهدوم

بيتي من لقنابل والقصف مهدوم         وحكومه بلا حكومه بغير تشكيله

تنازع ع لكراسي والشعب حفاي        وبشرج لا غذاء لا كهرباء لا ماي

احنه اهل النفط والكاك عد زلماي        يا حسنه الحكومه تكَدر اتشيله

تجار الحكومه والشعب حمال             او ياهو اليجي باجر نغير الحال

من هاي السوالف حملينه اجمال            اذا ينعدل وضعي ينعدل ذيله

حكومتنه الرشيده ليش هذا البوكَـ         تره لهاذه الشعب قط ما تضيعاحكَوكَـ

باجر بنتفاضه انشك جثيرهاحلوكَـ       عرفنه الباكَنه و نعرف اليومي له

مواقف وطنية لكحاب بغداد

حسنة ملص هذه المرأة لم تأت شهرتها من كونها من أعتق بغايا ومحلة الصابونجية او الكوكنزر او الكلجية او الميدان فقط ..ولم تدخل التاريخ لكونها اشهر عاهره مبتذله وقواده .. ولا لكون الشاعر الراحل الشهيد رحيم العراقي اسبغ عليها لقب الدكتورة حسنه ملص في قصيدته الشهيرة ...بل اشتهرت بعد ان ارتبط اسمها بقصة سياسية غاية في الطرافة .

ففي فترة حكم عبد الكريم قاسم حيث لم تجد ثورة 14 تموز 1958 شخصاً يمثلها لدى عبد الناصر سوى فائق السامرائي الذي عُيّن أول سفير لجمهورية العراق في القاهرة ، وعندما إحتدم الصراع بين عبد الناصر وعبد الكريم قاسم في ربيع 1959 إستقال السامرائي من منصبه ليقود المعارضة بوجه قاسم وليمكث في القاهرة (فيصل حسون، ، ص 56).

.وصلت العلاقات السياسية بين العراق والجمهورية العربية المتحدة انذاك , الى مرحلة من التأزم وتبادل الشتائم عبر أجهزة الاذاعات والصحف. . وشكل السامرائي  تجمعا سياسيا بأسم "التجمع القومي" . ووضعت بتصرفه اذاعة صوت العرب والتي كانت تسّب وتشتم نظام الحكم في العراق. وكان صوت مديرها أحمد سعيد ينتشر في الآفاق مجلجلا لنشر اخبار ونشاطات وبعض الامور الخارقة عن جمال عبد الناصر وكان يعتبره فلتة زمانه.. وبنفس الوقت كان يشنع ويذم عبد الكريم قاسم . .

فما كان من المعسكر المناصر لعبدالكريم قاسم الا وارسل خبرا الى المذيع الاشهر في أذاعة صوت العرب المصرية أحمد سعيد . مفاده ان الشيوعيين قد القوا القبض على السيدة الفاضلة العروبية المجاهدة "حسنه ملص" وراحوا ينكلون بها وبشرفها . وكذلك تم القاء القبض على المناضل المجاهد عباس بيزه " عباس بيزه هذا من اشهر قوادي المنطقة ايضا "فما كان من الاذاعي الكبير صاحب الصوت المجلجل احمد سعيد, الا وان راح يطلق تعليقات صارخة بدون ان يتأكد من الموضوع عبر الاذاعة الاشهر في تاريخ اذاعات العرب وقتذاك , يندد فيها بحكومة الزعيم وبالشيوعيين وهو يردد بالنص "اذا ماتت حسنه ملص فكلنا حسنه ملص" . كلنا حسنه ملص .... كلنا عباس بيزه ... من المحيط الى الخليج ..فما كان من السامرائي الا ان يستشيط غضبا من "المقلب" الذي وقع فيه الاذاعي الكبير احمد سعيد. واصبحت هذه الاذاعة مثارا للسخرية من قبل العراقيين .. وطلب السامرائي من احمد سعيد ان يعرض عليه لاحقا اي خبر او معلومة تصله من بغداد . طبعا بعد ان احاطه علما بحقيقة المناضله "حسنه ملص" والمجاهد " عباس بيزه "

هذه واحدة من بطولات المناضلة حسنة ملص.

نشر خالد القشطيني مقالا بعنوان " عاهرات في خدمة الوطن.

. ففي فيضان نهر دجلة / بغداد عام  1938 ، كان هناك عمل شعبي في الميدان ، عندما فاض نهر دجلة وكسرت سدة ناظم باشا من ناحية الوزيرية وراحت المياه تتدفق في الشوارع ، ( .. والمعتاد في مثل هذه الحالات أن تقوم الشرطة بتجنيد الناس فيما يسمى بعمل السخرة لدرء الفيضان ، في هذه الاثناء دق تلفون معاون شرطة السراي عدنان محيي الدين وطلب منه مدير شرطة بغداد بتعئبة الناس فورا لوقف تدفق المياه . اسقط المعاون عدنان حاكية التلفون من يده فقد كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل وآوى الناس لبيوتهم نائمين وخلت الشوارع من المارة . فمن أين يأتي بالسخرة .. ).( .. قام معاون شرطة السراي بأخذ مجموعة من الشرطة معه و داهم الكلجية لعمل خير لا إثم فيه . خطفوا كل من وجدوه من رجال اشداء ، الزبائن ، و النساء العاملات هناك . سمعت بأن  احد العرفاء ، انتزع رجلا من فوق المرأة و اخذه بالفانيلة و دون لباس قبل ان يكمل فعلته . راح الرجل يولول و يتذمر: "  يا جماعة هذي عدالة ؟ ! هذي حكومة!؟... وين وصلنا؟ " ، جروه و اخذوه مصلخ و القوا به في اللوري . فيضان دجلة لا يعرف الانتظار و لا يبالي بمن كان قواد و من كان ...(نموت نموت ويحيا العراق) . اسرعت اللوريات المحملة بالصرمبارية و قحاب الكلجية الى محل الثغرة التي كسرها التيار . لاحظ الجرخجي ، او الحارس الليلي ، في باب المعظم هذه الشاحنات المحملة بالقحاب فلم يتملك نفسه. " الله اكبر! يعني حتى القحاب ياخذوهم من عندنا ؟ ما ادري وين نولي وين نروح !"  واخيرا توقفت الشاحنتان عند سدة ناظم باشا و انزلوا ركابها من نساء و رجال . و هناك وجدوا الفؤوس و المساحي و اكياس الجنفاص في انتظارهم . انهمكوا في العمل بجد و نشاط لإنقاذ مدينتهم الحضارية ، مدينة المنصور و هارون الرشيد . الرجال يحفرون و يملأون الاكياس بالتراب و النساء يحملن الأكياس على ظهورهن المرهقة لألقائها في الثغرة ، وهن يغنين لشد عزيمتهن : " بالك تدوس على الورد و تسوي خلة...خلة" ) . هذا العمل الأنساني الحضاري الأجتماعي ، دليل تكاتف أهل الوطن ، دون تفريق من كان أنسان عادي أو من ضمت الكلجية / من قحاب وقواويد ورواد ،

الكحاب بين احتلالين

من خلال الاطلاع على تاريخ البغاء والقوادة نكتشف انه قدٌر يلازم البشرية لا سبيل إلى الخلاص منه وهو باقي ما بقيت البشرية وما تقلبت الأيام والدهور .ولم يقترن بوقت محدد او احتلال معين.الحالة الاجتماعيه التي كانت سائده و موجوده في بغداد وعلى الخصوص موضوع البغاء العلني وحالته التي تطورت ثم انحسرت ورافقتها الكثير من المشاكل والمآسي والطرائف …

.

العهد العثماني.

وكان ولاة بغداد عند مغادرتهم مناصبهم يرحِّلون حريم "الحرملك" إلى تلك البيوت، إذ غالباً ما كانت مغادرتهم تترك "نساءهم" دون إعالة. وسمح العهد العثماني بممارسة البغاء العلني، معتمداً بذلك على التشريعات الأوروبيّة ولا سيما الفرنسية.

 

في العهد العثماني كانت هذه الظاهره موجوده مع وجود القوانين التي تمنع ذلك لكن ( المحترفات) منهن أخذن يتعاطين الحرفة بصور واشكال مختلفة منها  تحت ستار الفن من رقص وغناء وطرب وعن طريق السحر والفال فضلا على دور اللهو والمراقص في بعض الأزقة المشبوهة التي تسكنها فئة من السماسرة والمومسات اللواتي يتعاطين الخطيئة بصورة سرية، ولكنها كانت في بغداد أشبه بالعلنية في المنطقة المحيطة بساحة الميدان في باب المعظم وبعض الأزقة التي يسكنها اليهود في منطقة التوراة وعقد الكنيسة.

جانب الكرخ.محلة ام العظام..

وهذه المنطقه التي تقع اليوم داخل المنطقه الخضراء بعد ان كانت ملكا خاصا وحدودها من يسار الجسر المعلق بمحاذاة نهر دجله والى الحارثيه  وامتدادا الى الشاكريه  وكانت فيها محطة وقود حكوميه تسمى باسم ام العظام وتجاورها صرائف الشاكريه ( القصر الجمهوري الحالي ) وكرادة مريم وقد استملكتها الدوله لصالحها  على مراحل في عهود امتدت من العهد الملكي وحتى عهد صدام حسين وقد انشأت بها الدوله بنايات ومنشآت وفتحت فيها طريق موازي لنهر دجله يصل بين الجسر المعلق والحارثيه وقد كانت مزروعه بالنخيل والبعض منها تعود ملكيته الى الاهالي وتم استملاكها ايضا في  نهاية القرن العشرين.

من طريف مايذكر في تلك الفترة وما كان  يتندر به البغادة  أن رجلا  قصد بغداد للمرة الأولى في حياته للبحث عن عمل  ودخل محلة الذهب  وسأل واحد من الهتلية عن شغلة منا منا  فدزه الهتلي الى بيت  (ريمة أم عظام).ودك بابها وهو لا يعرفها، يريد يشتغل اتلكًته المرة خوش ملكَا  وكَلتله اني رايده واحد كَدها ونطته غرفه.وأوصته بان يفتح باب البيت كلمن يدكَ .ويتلكَه الجاي  وقام الريفي بمهمته وأتقنها وسمن ورتاح للشغلة يم (ريمة) وخوش فلوس كامت تجيه .. وحدث ذات يوم أن انزعج منه احد المراجعين فصاح به : (اسكت يا گواد) .

فهاج الريفي وجن جنونه وهجم على الرجل يريد قتله،وعندما حِيل بينهما عاود الهجوم وهو يقول : لك عليمن كَواد  ،  إني گواد ،اني الك من تطلع  وسمعوه الناس وضحكوا منه وقالوا له : لماذا غضبت من هذه التسمية ،

هي هاي شغلتك مال كَواده ؟ وقال لهم  يعني هي هاي الكَوادة  شو هاي شغلة سهلة ومابيها عيب والله من عين باجر اروح اجيب كل اهلي ولد عمي يشتغلون... حسبانا الگوادة  فد شي .

وريمه ام العظام هي اول من فكرت بفتح مبغى عام في جانب الكرخ وكانت اول قواده في الكرخ تدير عدد من البيوت ..هذه المرأه التي كان لها دور في المجتمع البغدادي وحياة البغادة.

كان محمد النجفي احد اهم معاوني الكَوادة ( ريمة أم عظام ) وكان طويل القامة يرتدي العكال ويلبس افخر أنواع العبايات ويشاهد يتبختر في شوارع بغداد وكأنه من الشيوخ ...  

يروى ان احد الاغنياء كان يتردد على ريمه ام عظام وتوطدت بينهم علاقه قويه تطورت الى عشق ومن ثم الى زواج ويقال انه تزوجها واسكنها في منطقة ام العظام ومنها اكتسبت الاسم وبقيت فيها بعد ان ورثت الكثير من الاموال من زوجها وماتت في هذا المكان ..

يذكر ان جانب الكرخ لم يكن به محل بغاء الا على يد ريمة

وزيادة على ذلك فان الملا ( عبود الكرخي ) أبرز شعراء العامية إتخذ من إسم ( كلجية ) . جملة ما قال :

أحنه من كبل ما كان عدنه هيج                  ولا نعبر لذاك الصوب للتكليج.

بمعنا ان اهالي الكرخ عندما يريدون(الونسة )يذهبون الصوب الرصافة.

جانب الرصافة.الميدان الكلجية وكوك نزر والصابنجية والتلة خانة.

ورد اسم ( الكلجية ) لصنف من اصناف العساكر في العهد المغولي عند احتلالهم بغداد وقد اقاموا وسكنوا في هذا المكان فسميت باسمهم ونسبت اليهم ، كما سميت محلة خان لاوند بامس الاونه ومحلة الهيتاويين باسم قوم وفدوا من هيت ، ولكن قصر البغاء العلني على دربونه (الكلجية) دفع البغداديين الى تسمية كل محل للبغاء العلني بالكلجية حتى المحلات التي هي خارج بغداد او خارج العراق ايضا .ويطلق البغادة على الجار المزعج بيت الكَلجية وعلى الولد الوكح ابن الكَلجية.

( محلة الكلجية وكوكز نزر)كل هذه الاسماء هي لمحلة واحدة  المقابلة لسوق هرج، وفي هذين الزقاقين كانت مجموعة من الدور المتلاصقة القديمة ومقاه ذات مدخل واحد تطل على بداية شارع الرشيد وكذلك على عدد من الدكاكين والمقاهي. تحتضن ساحة الميدان الشهيرة من الجانبين . فرقعتها واسعة تواجه وزارة الدفاع وتطل على أكبر شارعين بغداديين هما الرشيد والجمهورية . فالاسم الاول حرفه البغداديون عن الاصل وهو "كزل نزر" وهو الاسم التركي لجامع يقع في المدخل الرئيس للمحلة , بناه والي بغداد مدحت باشا . ومن يزور المحلة يجد حتى الان الاسم محفورا بالآجر فوق باب الجامع . جامع كوزل نزر ويعني بالتركية " النظر الجميل". اما الصابنجية فهو نسبة الى ان المحلة كانت يوما ما مخازن لتجار الصابون . والميدان نسبة الى منطقة الميدان التي كانت موقع رماية لجيش الوالي . والكلجية اسم فارسي تعني موقع الرؤوس "كله جيه" . حيث كان هولاكو يقف ليعد الرؤوس التي يقطعها جنده من رؤوس المسلمين. وفي المكان هذا الذي كان يقف عليه هولاكو اقيم مبغى رسميا حمل اسم الكلجيه .

هذه المحلة قديمة قدم احياء بغداد . أتخذت مرتعا لبائعات الهوى وتجار الحشيشة وشقاوات بغداد . وظلت شاخصة تستقبل الزبائن حتى نهايات عقد الستينات من القرن المنصرم , بالرغم من قانون منع مزاولة البغاء صدر عام 1953 من قبل حكومة فاضل الجمالي. - .

وكانت المنطقه مؤلفه من دربونه وفيها مختار يدعى ( السيد حسين) وكان يأخذ خاوات من المومسات والقوادات وقد رثاه  ملا عبود الكرخي بقصيدة عند وفاته قال فيها :

مختار الحبايب ما يجي دونه    وصاير سور للساكن الدربونة

تاهت بنت ابو حجرين امونه    وبنت الدودكي وضحه وشكرية.

ومن أشهر الكَوادين والكَوادات الذين حفر تاريخ الكَوادة اسمهم في التاريخ .

كرجي : وهو من أشهر كواويد اليهود في بغداد في الثلاثينيات والأربعينيات، وكان يزاول السمسرة بدار تقع في محلة ( التوراة ) المحلة اليهودية وقد توقف عن عمله عندما قررت وزارة الداخلية سنة 1935 تشكيل شرطة الأخلاق من واجبها مراقبة دور الدعارة السرية للقضاء على البغاء. ولكن كل هذا لم يتحقق بسبب تصرفات الشرطة ومفارزها الذين كانوا يتعاونون مع أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها ويقبضون الرشاوى . فصار أصحاب دور القوادة يعطون للشرطة رشاوى أكثر مما يتقاضونه من طالبي المتعة، فارتفعت الشكاوى من الطرفين الأمر الذي أدى إلى إلغائها من قبل مدير شرطة بغداد فعاد – كرجي – وزملاؤه إلى مزاولة المهنة بحرية تامة .

سيد رجب : وهو العمود الفقري لمحلة الذهب في الجانب الذي تشرف عليه (ريمة أم عظام).

فايق خماس : وهو زوج الحجية ربيعة وميدان عمله هو الكلجية والصابونجية وكثيرا ما يشاهد في شارع الرشيد في سيارة فخمة .

داود اللمبجي : وقد لمع اسمه في العشرينيات باعتباره من الكواويد الارستقراطيين

.ويذكر  للملا عبود الكرخي (وهو  مِن رواد صحافة السخرية و الهَزَل) ،  يجلس في مقهى قريب من منطقة الميدان عندما مرت من امامه جنازة تتبعها مجموعة من النسوة المولولات الناحبات ، بعيون مُغرَورَقة بدموع الحزن والأسى يلطِمن على  صدرهن . غرابة المشهد قادت الشاعر الهزلي العراقي الساخر الملا عبود الكرخي  في الاستفسار عن الميت ، قيل له : داوود اللمبجي الذي كان  يعتبر أحد قواويد بغداد الارستقراطيين و جاء لقُبه من مهنته الثانية (اشعال مصابيح النفط أو ما نسميها باللمبات ) في ازقة بغداد ليلاً.  النسوة ،هُن المومسات اللواتي كُنّ يعملن لحسابه ... ساعتها كتب قصيدته المشهورة ( مات اللمبجي ) باللهجة العراقية الدارجة ، معزياً بها ( فطومة الصمنجي) بوفاة زوجها داوود اللمبجي . تحولت هذه القصيدة  آنذاك إلى اغنية ، غناها ، مطرب المقام العراقي رشيد القندرجي لتنتشر بعدها في مشارق العراق و مغاربه ، بعد ان سُجِلت  في حفل خاص ( حَضَره وزير الصحة)   بصوت مطرب المقام العراقي المشهور يوسف عمر ..-هذه بعض ابيات من القصيدة : وقد توقفت كثيرا عند الاسم وصورة الحدث وعند القصيدة ايضا التي قرأتها مجددا ووجدت فيها ما لم يمكن نشره للكلمات الفاحشة والعبارات الخادشة للحياء، مع العلم انها ساخرة، وفي سخريتها تظهر علامات الرفض لما كان عليه (داود)، - .

مات اللمبجي داود وعلومه            كومو اليوم دنعزّي فطومه

مات اللمبجي داود ويهوّه                ويهوّه عليكم يهل المروّه

كِضه عمره بالكواده ولا سوّه            غير الطيب مكرن شاعت علومه

والمسكين الله يساعده إلبادي            ضَل ينعى عليه ويشبه البومه

بنُص الكلّجيه يمشي يتبختر                  يَمرَدرَد ويَمروكَل ويمحبتر

يشماغ عصفوري يلف أحمر                ألف وَسفه سلاب وظلّت هدومه

عِمت عيني عليك اليوم يا ديّوس            يللي نازع الغيرة مع الناموس

يحِك إلهه لفطومه عليه تموت                 لولا تنام ويّاه بفرد تابوت

ما تِلكه مثل داود هَل عكروت                 عِدهه خِدمته يا ناس معلومه

كومو دنعزّي فطم وزهَيّه                  وبنت النجفي ومريم الكرديه

هل داود ما ظِن بعد إله جيّه              ريت الكلجيّه اليوم مهجومه

يِخسِل بالطشِت جويهل وشفاف               عِمت عيني شبيّب من حياته إشّاف

صِدَك لو كال يطلع جُك للندّاف              يطلع شِبه جرّة عَرَك مكطومه

يفطومه دِخَللي عاد بالضِحضاح           منّج يا فقيره الجبش غاب وراح

أبو كِرن الكُوي ومعجعج ونطاح          إله وكفات بالدربونه معلومه

إسم الله عليك يا داود أبو سلمان          يكويويد يا هبّار يا كرنان

إنته يا خركلي عظيم الشان                إسمك شاع بالبصرة وتنّومه

يحِك إلهه فطومه ثياب السود             تلبس علمعفرت لمبجي داود

أبو كرن الجبر من أحسن الموجود      كل كحبه عليه اليوم مألومه

شَدعي عالزمان منين إجاك البين       خلّي البيك يتنعّم وياكل زين.

وفطومة هذه هي فطومة بنت الصمنجي وهي كلمة تركية معناها بائع التبن، وكانت إحدى جميلات بغداد في العشرينيات وقد عاشرها في الثلاثينيات معاشرة الأزواج أي (استكعدها) حسين فخري ( كاتب عدل بغداد ) وسكن معها في منطقة العلوازية شارع المحامين حيث كان يستقبل أصدقاءه كل أسبوع ليسمعهم نكاته وطرائفه كما لو كان في عنفوان شبابه.

وكانت تقاليد الحب والهيام بالقحاب بين كبار رجال الدولة متفشية وأحيانا لا يخجل بعض الساسة من الزواج منهن ، وبعضهم يتزوج منهن بصورة سرية أو تصبح خليلة له وحده بعد أن تتعاهد معه على ذلك .

واشار كمال لطيف سالم الى ان هذه القصيدة سرعان ما حفظت وانتشرت على الافواه خاصة انها لشاعر معروف بقصائده الساخرة والجريئة على الرغم من انها لم تنشر في صحيفة، وكان ألسنة العامة من الناس هي الوسيلة في انتشارها ورواجها وكذلك في الحفاظ عليها من الاندثار والنسيان، ويقال انها نشرت فيما بعد للمرة الأولى في ديوان الكرخي الموسوم (ديوان الأدب المكشوف) الذي طبع بنسح قليلة جدا.            وتابع : اول من غنى القصيدة هذه مطرب المقام المعروف رشيد القندرجي، ولكنها لم تسجل على (قوان) او اسطوانة، وكان قراء المقام من اليهود الاكثر ألحاحا في ترديد هذه الاغنية ولا اعرف لماذا، اما المطرب يوسف عمر المعروف بذكائه وحساسيته المفرطة في اداء النمط الغنائي الشعبي الاصيل -

ومن اكحاب الميدان  كانت ( رجينه ) وتكنى بـ( أم نجية و أم ناجي ) في أواسط الأربعينات من القرن الماضي وهي من الـ( كَحاب - قحاب ) المشهورات ( المعروفات ) في بغداد، تملك سيارة فاخرة، وكرسي متحرك، وسلطة تشريعية، لايملكها أحد في بغداد، وربما في الجامعة العربية أيضاً، وقد شاهدها يوماً الشاعر الملا ( عبود الكرخي )وهجاها بقصيدة مطلعها :