وليد فاروق علىhttps://twitter.com/waleedfarouk

منذ 11 دقيقة، 29 ديسمبر,2015

كرامة الشخص الذي يستخرج الذهب من الأرض، لا تقل أهمية عن كرامة الشخص الذي يشتريه.

الذهب من مصدر أخلاقي، أو كما يطلق عليه البعض “الذهب الأخلاقي ethical gold”، عبارة تحمل الكثير من الاعتبارات، فتُشير إلى أن الذهب مُستخرج من مناجم تحملُ شهادة “فيرمايند”، مما يعني أنه غير مُقترنٍ بانتهاكاتٍ لحُقوق الإنسان أو صراعاتٍ دموية، أو تدهور بيئي.

يكفي أن تعرف أن 5 جرامات من الذهب، تدخل في إنتاج خاتم للزواج، قد ينتج عنها ما يعادل 20 طنًّا من مُخلفات التعدين، معظمها مُلوثة للبيئة، جائزتي نوبل للسلام، والسعفة الذهبية، كلاهما يحمل في ذاته قيمة مؤثرة، ولن يكون لهما معنى، في حالة صنعتهما من ذهب، ربما يكون داعمًا للحروب والنزاعات الأهلية، أو سُخر في استخراجه عمالة الأطفال غير المشروعة، أو تسبب في أضرار صحية وبيئية.

صُنعت جائزة نوبل هذا العام ولأول مرة في تاريخها من الذهب الأخلاقي، بينما صيغت السعفة الذهبية منه، منذ عامين، ويُعد ذلك في حد ذاته تطورًا فاصلًا في الترويج لقضية الذهب الأخلاقي، مثلما لعبت السينما من قبل دورًا هامًّا في محاربة الألماس الدموي، والذي جسد قصته فيلم “الألماس الدموي” الذي قام ببطولته ليوناردو دي كابريو Leonardo DiCaprio عام 2006.

فلم تعد الجائزتان ترمزان لقيمتهما فقط، بل أصبحتا رمزًا لأفضل إنتاج من الذهب – كونه من مصدر أخلاقي.

مجال التعدين ليس فيه ضمير، هذا ما أشار إليه من قبل “جريج فاليريوGreg Valerio” الصائغ والناشط في صناعة المجوهرات العادلة، في تصريحات صحفية، كما أوضح أنه خلال زيارته الأولى لمناجم الذهب بالهند، رأى فيها العبودية، حيث عمالة الأطفال غير المشروعة، والأشخاص الذين يعملون في الحرارة الرهيبة، وشدد على انتشار الأمراض في كاليفورنيا، نتيجة استخدام الزئبقجا السام في استخلاص الذهب، الذي يُلقى به في مستجمعات المياه.

أشارت تقارير سابقة لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، أن الأطفال الذين لا تتجاوز أعمار بعضهم ثماني سنوات يعملون في مناجم ذهب، ويتعرضون لمخاطر جسيمة على صحتهم بل وعلى أرواحهم، حيث يواجه العمال الأطفال، وكذا الأطفال الذين يعيشون بالقرب من مواقع التعدين، خطرًا شديدًا من التسمم بالزئبق، فيهاجم الزئبق الجهاز العصبي المركزي ومن الممكن أن يسبب العجز مدى الحياة للأطفال، حيث تتصاعد الأبخرة السامة عند مزج الزئبق بخام الذهب المستخرج من الأرض، لاستخلاص الذهب النقي.

وفي مناجم الذهب بالسودان تنتشر حالات إصابة بالفشل الكلوي والعقم وإجهاض الأجنة وسط المعدنين، بالإضافة إلى هجرة الأسماك جراء استخدام الزئبق في المناطق القريبة من نهر النيل، هذا ما أكدته “حنان الأمين” رئيسة المبادرة البيئية للتنمية المستدامة.

نشأت هيئات غير حكومية، وغير ربحية، حاولت التصدي للأساليب غير القانونية وغير الأخلاقية للمناجم، فتأسس “التحالف من أجل المناجم المسؤولة ARM”، وهو منظمة كولومبية ظهرت عام 2004، وأصبح لها فروع في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، وتمنح هذه المؤسسة شهادة “فيرمايند Fairmined”، وهي شهادة تُمنح لمناجم الذهب، التي تعمل وفقًا لأساليب مشروعة وأخلاقية، فلا تكون داعمة للحروب والنزاعات، بالإضافة إلى التزامها بقوانين العمل واحترام البيئة، والحد من الآثار الضارة للتعدين غير القانونية، (مثل تقليل انبعاثات الزئبق بنسبة تقارب 60 أو 90 بالمئة، أو التحول إلى استخدام السيانيد في عمليات الاستخراج)، وضمان التخلص من مخلفات الإنتاج بشكل آمن، وضمان حقوق وسلامة العُمال.

فضلًا عن دعمهم لخطوات إنهاء عمالة الأطفال غير المشروعة، وكذلك الابتعاد عن التهجير القسري للسكان.

حصلت العديد من المناجم حول العالم على شهادة فيرمايند، منها 5 مناجم في كولومبيا، ويعد منجم إكويره Íquira الواقع بمدينة هويلا Huila أول منجم في كولومبيا يحصل على هذه الشهادة، ويليه منجم لا يانادا “الأرض الذهبية”، ومنجم كودميّا Coodmilla، ومناجم أخرى مثل de Agosto دي أغوستو 15 في بوليفيا، و منجم «أوريلسا» الواقع في صحراء جنوب البيرو.

وأشارت مديرة منجم أوريلسا “ماريا روزا باهويلو” في تصريحات صحفية: “التزامنا بمعايير فيرمايند، وتعليم السكان أيضًا ضرورة الاهتمام بالبيئة التي يعيشون فيها، ومن ثم نقل هذه المسؤولية إلى الأجيال القادمة، وبواسطة التعدين المسؤول من الناحية البيئية والاجتماعية يمكننا إحداث تغيير، وخلق المزيد من الوظائف اللائقة لتحسين نوعية الحياة في المجتمع كله”.

وفي فيديو بثته قناة الجزيرة مباشر، صرحت نائبة وزير المناجم في كولومبيا “ماريا ايزابيل اويوكا”، ” نبذل جهدًا كبيرًا في كولومبيا لمراقبة مصادر الإنتاج، وتحسين معايير العمل، كي يكون إنتاج الذهب قانونيا، لكنها أيضا مسؤولية المشترين”.

كما تسعى السلطات الكولومبية إلى تحديد ضوابط قانونية لقطاع المناجم وإبعاده عن النزاعات الدموية في بلد تمارس 63 % من الأنشطة في هذا القطاع على نحو غير قانوني.

فيديو يوضح مراحل صناعة السعفة الذهبية من إنتاج شوبارد

عندما تسلمت اللجنة الرباعية التونسية جائزة نوبل للسلام لهذا العام، لم يكن وحدهم الذين شعروا بالفخر، فقد كان هناك أيضًا مجموعة من عُمال منجم إيكويرا بكولومبيا، في نفس ذات الشعور بالفخر، فهي أول ميدالية في تاريخ نوبل تُصنع من الذهب الأخلاقي، وبالتحديد من منجمهم.