شاركها !

عدد المشاهدات

3 views

إسلاميو السلطة (128) هذا هو حيدر العبادي

سليم الحسني

لو عرف الشعب العراقي شخصية السيد حيدر العبادي على حقيقتها، لسقطوا في اليأس التام من إمكانية الحل.

ليس هذا تجريحاً بالرجل ومحاولة الإساءة اليه، إنما هو عرض مكشوف لتركيبته التي نشأ عليها، وقضى سنوات عمره راضياً بقدره وحاله. وقد تعامل معه أخوانه في حزب الدعوة على هذا الأساس من خلال احتكاكهم القريب والمباشر معه. ففي الاجتماعات واللجان والأعمال الحزبية تتضح الشخصية من معظم جوانبها، خلافاً للعلاقات الرسمية التي تخضع للحذر فلا ينكشف إلا القليل منها.

في عمله داخل حزب الدعوة لم يترك العبادي أثراً ولا بصمة، فالعمل الحزبي عنده، يتحدد ببضعة ساعات اسبوعية، يبدأ بالاجتماع وينتهي بانتهائه، حيث يشترك العبادي في مناقشات مطولة خالية من الموقف، بحيث لا يعرف الحاضرون هل هو معارض أم مؤيد؟ هل يتفق مع القضية المطروحة أم يختلف؟ هل يريد أم لا يريد؟

ومع تقادم الزمن صار العبادي معروفاً داخل أجواء حزب الدعوة بأنه (شخصية جدلية) يحضر الاجتماع ليضيع في متاهات الكلام والرأي، وأحيانا يضطر محدثه بدافع الضجر أن يوافقه الرأي، فيتفاجأ بأن العبادي ينقلب على الرأي الذي دافع عنه طويلاً، ثم تكون المفاجأة أكبر على السامع عندما يرجع مرة أخرى لينسف الرأي الجديد، وهكذا تطول العملية، حتى ينتهي الاجتماع، فيخرج العبادي وقد شعر بأنه تخلص من مهمة شاقة ثقيلة على صدره وظهره، فينسى كل ما دار في الاجتماع، ويعود لحياته اليومية بالشكل الذي ألفه من قبل.

إن دخول حيدر العبادي مجال العمل المعارض من خلال حزب الدعوة، يبدو غريباً على شخصيته الى حد كبير، فهو لا يتأثر بالفعل ولا بردود الفعل التي تجري في المعارضة أو التي يعيشها حزب الدعوة، إنما يتعامل معها كإلتزام وظيفي تورط فيه وعليه مواكبته، فعلاقاته وصداقاته تشكلت من خلال هذا الحزب، وقد ألف العمل به طالما أنه يتعامل بطريقته الخاصة التي تُبعده عن التبعات والمهمات الصعبة، فما أسهل الكلام خصوصاً عندما يكون جدالاً طويلاً بلا نهايات محددة.

يشبه العبادي في هذا المجال قسماً من الشباب الذين انخرطوا في الأحزاب السياسية في ساعات طارئة، لكنهم شعروا فيما بعد أنهم لا يستطيعون الانفصال، لأن الخطوة تعني إتخاذ قرار حازم وهذا أمر ليس بمقدورهم فعله، فيواصلون حياتهم الحزبية على هامشها، فمنهم من يضحك له الحظ فيحصل على فرصة كبيرة، ومنهم من يبقى منسياً في الحافة لا يشعر به أحد.

في الأوساط الدينية، يكون الكلام التشقيقي والتفريعات والاشكالات المتضادة، ميزة إيجابية، وقد انسحب ذلك على الأجواء التي عاشها العبادي داخل حزب الدعوة بحكم الجو الديني، فلم تشكل جدلياته المملة ملاحظة سلبية عليه. كما أن الفترة التي برز فيها كعضو قيادي وهي فترة التسعينات، كانت تشهد تراجعاً ملحوظاً في الأداء القيادي للحزب، وظهور العديد من القيادات الضعيفة، مما جعل وجوده مسألة مقبولة في حزب يتجه نحو الضعف والضمور الفكري، ويفقد رصيده التاريخي القديم.

يضاف الى أن تلك الفترة من مسار حزب الدعوة، كان التمييع وغياب المتابعة يغلب على عمله، ولذلك لم تكن المهام التي يُكلف بها العبادي ثم تنتهي الى الضياع والتلاشي، مما يثير الملاحظة عليه، بل أنه بحسب الأجواء السائدة كان القيادي الذي لا ينافس أحداً، ولا يزاحم غيره على موقع أو مركز، فهو حين يجتمع معهم، يتحملون كلامه واشكالاته وتناقضاته، ثم يفارقهم على خير، لا يسأل عن أمور سابقة، ولا يلاحق أموراً قادمة.

تحول الضعف والإهمال والتمييع في شخصيته الى الرافعة التي أوصلت العبادي الى مراكز القرار بعد سقوط نظام الدكتاتورية في العراق، فقد اختاره السيد إبراهيم الجعفري ليشغل منصب وزير الاتصالات أيام مجلس الحكم، وكان قرار الجعفري فردياً فلم يرجع الى قيادة الدعوة في هذا الاختيار، فقد كان يريد وزيراً ضعيفاً يأتمر بأمره ويرتبط به فلا يخرج عن طوعه وطاعته.

واللافت أن الجعفري كان يرى في العبادي شخصاً لا يُنجز أي عمل، في مقولته المعروفة: (الشغلة التي تُناط بأبي يسر فانها تموت). لكن الجعفري حين يخرج الى الجمهور ويتحدث، فانه يملأ أسماعهم عن ضرورة اختيار الكفاءات والخبرات وما الى ذلك من حديث طويل عريض، حتى يشعر السامع الذي لا يعرفه، بأن هذا الرجل سيموت كمداً إذا لم يضع الكفاءات في مكانها المناسب.

عندما باشر العبادي مهمته في وزارة الاتصالات، استعان بالبعثيين ومنحهم السلطات الواسعة، فصاروا موضع ثقته ولهم كلمتهم في الوزارة، وهو بذلك يكون أول وزير إسلامي استعان بالبعث.

بعد سنوات عديدة وتحديداً عام 2012، التقيت العبادي في لندن، ودار الحديث حول هذا الموضوع، فبرر موقفه بأنه كان بحاجة الى خبرات البعثيين، قلت له: ولكن هناك الكثير من الخبرات العراقية في مجال الاتصالات وبشهادات عالية عملوا في مؤسسات وشركات عالمية معروفة، وكان بمقدورك الاستعانة بهم.

فبرقت في عينيه مفاجأة الحل الذي ضاع منه، فلم يصل تفكيره وهو الذي عاش في بريطانيا، الى هذه الفكرة البسيطة الواضحة.

يتبع