شاركها !
1 views
انه العام 1960 ، وهي اول محاولة لي في الكتابة ، كانت خاطرة رومانسية، ذهبت بها فرحاً الى الاستاذ (رافع) وهو خال والدي ، ومعه ماجستير آداب، تولى الرجل تصويب خاطرتي من اخطائها ولم اسمع رأياً سوى انه قال بوجه متجهم (يا ولد .. اقرأ ولا تكتب) واعطاني مجموعة كتب للمنفلوطي ، وطلب مني الانتهاء من قراءتها في اسبوعين ، ثم تركني وقد ذبل شعوري بالابهة وتساقطت نرجسيتي!!
التزمت بوصيته وانتهيت من قراءة الكتب واعدتها اليه ، ومعها خاطرة ثانية جعلته يشتمني ويرميها في وجهي لأنني اكتب اكثر مما اقرأ على حد تعبيره!! واعطاني مجموعة اكبر من الكتب لجبران خليل جبران ، وامهلني بضعة اشهر، حتى اذا فرغتُ من قراءتها اعدتها اليه ومعها خاطرة ثالثة، فكان عقابي شتيمة اقذع من سابقها!! وحين عدت الى بيتي كنت محملا بنجيب محفوظ ومحمد عبد الحليم عبد الله وعبد الملك نوري واحسان عبد القدوس وفي المرة الرابعة تكرر المشهد نفسه، وعدت الى بيتي بشتيمة مؤذية وكتب لطه حسين وتوفيق الحكيم وسلامة موسى ومحمود امين العالم والعقاد…وتهمة لم اتحرر منها ، بانني اكتب اكثر مما اقرأ!!
السنوات تركض ، والعمر يمضي، وانهيت الدراسة الاعدادية والجامعية ، مثلما انهيت الخدمة العسكرية والزوجية والوظيفية، والاستاذ رافع يلاحقني من همنغواي الى شتاينبك ومن ديكنز الى ماركيز ، ومن سارتر الى ابن رشد، ومن الغزالي الى ماركس، ومن فرويد الى قاسم حسين صالح ، ومن مايكل انجيلو الى فايق حسن ومن بتهوفن الى منير بشير، وما زال وقد، عبرت الخمسين ثم الستين، يتهمني بالبحث عن الشهرة والتعجل في الكتابة ، ويسألني سؤالا استنكارياً : كيف تكتب وانت لم تطلع على الصوفية والمعتزلة والتاريخ القديم وعلم الاجتماع والباراسايكولوجي؟! بل كيف تتجرأ على الكتابة يا ولد . وانت لم تتعرف على الحداثة وما بعد الحداثة وكتب السحر وتحضير الارواح واذكار الدراويش؟ وعبرت السبعين ، ومنحت نفسي حق الاستاذية الذي كان لاستاذي، وسألت زميلاً من عمري يكتب منذ اربعين سنة للاذاعة والتلفزيون وصحف اليمين واليسار وفضائيات السنة والشيعة (يا رجل … متى تقرأ؟) ، فاجابني متسائلا (وما فائدة القراءة؟!) عندها فقط عرفت مرض الصحافة، ولماذا يجوب زميلي بلدان اوروبا كل عام ، بينما لا امتلك اجرة الطائرة الى اربيل ، فلعنت الاستاذ رافع والثقافة والقراءة … ولكن بعد فوات الاوان!