شاركها !

عدد المشاهدات

2 views

لم يدرك أبو أنيس أن هناك شيئا غير معتاد يحدث من حوله إلا حين سمع أصوات انفجارات قادمة من المدينة القديمة على الضفة الغربية من نهر دجلة الذي يجري عبر الموصل.

“هاتفت بعض الأصدقاء هناك، وقالوا إن جماعات مسلحة سيطرت على المدينة، بعضهم أجانب وبعضهم عراقيون. وقال لهم المسلحون، جئنا لنتخلص من الجيش العراقي، ونساعدكم”، هكذا استرجع فني الكمبيوتر أبو أنيس ذكرى ذلك اليوم.

وفي اليوم التالي، عبر المسلحون النهر واستولوا على الجزء المتبقي من المدينة. غير أن عناصر الجيش والشرطة العراقيين، الذين كانوا يفوقون المهاجمين عددا بفارق شاسع، تفرّقوا وفرّوا، وفي مقدمتهم الضباط، بينما خلع الكثير من الجنود ملابسهم العسكرية لينضموا إلى جموع المدنيين المذعورين.

كان هذا هو يوم 10 من مارس/ آذار 2014، في أعقاب سقوط ثاني أكبر مدينة عراقية، ويبلغ عدد سكانها مليوني نسمة، في قبضة مليشيات من الجماعة التي كانت تطلق على نفسها في ذلك الحين اسم “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش).

وقبل أربعة أيام من ذلك اليوم، تدفقت الرايات السوداء في اتجاه المدينة، وعبر بضع مئات من عناصر التنظيم الحد الصحراوي في موكب انطلق من قواعد التنظيم شرقي سوريا، ولم يلق سوى مقاومة محدودة في طريقه للفوز بجائزته الكبرى.

وكانت الغنائم الوفيرة في انتظارهم. فقد قام الجيش العراقي، الذي أعاد الأمريكيون بنائه وتدريبه وتجهيزه بالعتاد بعد غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003، بالتخلي عن عدد كبير من المدرعات والأسلحة المتقدمة حيث استحوذت عليها المليشيات على الفور. كما قيل أنهم نهبوا نحو 500 مليون دولار من فرع البنك المركزي في الموصل.

تنظيم الدولة الإسلامية: يستميت ليبقى ثريا

قال أبو أنيس: “في البداية، تصرفوا بشكل جيد. فقد أزالوا جميع المتاريس التي وضعها الجيش بين الأحياء. وقد راق ذلك للناس. وكانوا ودودين ومتعاونين عند نقاط التفتيش، فكانوا يقولون: إذا احتجتم أي شيء، نحن هنا من أجلكم”.

لكن بعد أسابيع قليلة، لم تكد تمر أيام حتى حدثت أمور مروّعة بالفعل فيما بدا كأنه كان شهر عسل وانتهى.

فمع انهيار الجيش في المنطقة الشمالية بأكملها، تحركت الميليشيات بسرعة عبر وادي دجلة، وتساقطت البلدات والقرى واحدة تلو الأخرى، كما تتساقط القناني. ولم يكد يمر يوم حتى استولى مسلحو التنظيم على بلدة بيجي بما في ذلك المعمل الضخم لتكرير النفط بها، ثم سرعان ما استولوا أيضا على بلدة تكريت القديمة، مسقط رأس صدام حسين، ومعقل السنة.

وعلى أطراف تكريت، توجد قاعدة عسكرية كبيرة، سيطر عليها الأمريكيون منذ 2003، وتغير اسمها إلى معسكر سبايكر، نسبة إلى أول قتيل أمريكي في حرب الخليج الثانية “عاصفة الصحراء”، وهو طيار يُدعى سكوت سبايكر، أسقطت طائرته عام 1991 على منطقة الأنبار في الغرب.

Image captionالعثور على بقايا جثث في معسكر سبايكر

ثم حاصرت ميليشيات تنظيم الدولة ذلك المعسكر، وهو يعجّ بالمجندين العراقيين، واستسلم المعسكر بأكمله. وقد صُنف آلاف الأسرى بحسب انتماءاتهم، فالشيعة منهم أٌخِذوا وقيدوا ونُقلوا في شاحنات بعيدًا ليطلقوا النار عليهم في خنادق معدة مسبقًا. ويُعتقد أن قرابة 1.700 شخص قتلوا في هذه المذبحة بدم بارد. ولا تزال عمليات البحث عن المقابر الجماعية مستمرة.

وبدلًا من أن يخفي التنظيم جرائمه الوحشية، تلذّذ بعرض مقاطع فيديو وصور على الإنترنت تظهر عناصره المتشحون بالسواد وهم يقتادون السجناء الشيعة ويطلقون عليهم الرصاص.

أما من حيث الزهو والابتهاج بالقسوة والأعمال الوحشية، فإن ما حدث بعد ذلك كان أكثر بشاعة.

فبعد توقف دام شهرين فقط، أطل داعش الذي بات يعرف بتنظيم “الدولة الإسلامية”، برأسه مرة أخرى ليستحوذ على مساحات كبيرة شمالي العراق التي يقطنها الأكراد.

وكانت مدينة سنجار ذات الأغلبية الإيزيدية، هذه الأقلية الدينية التي يعدُّها التنظيم مجموعة من الزنادقة، من بين تلك المناطق.