و کتب هذا الخبیر البارز فی مقال خص به وکالة "تسنیم" ، تحت عنوان : "الرجعیة العربیة تتسابق لتحقیق مصالح الاستعمار الجدید...!" جاء فیه :

مما لا شک فیه أنَّ الأمة العربیة مفجوعة فی وجودها الحضاری أمام أشرس هجمة رجعیة استعماریة إمبریالیة صهیونیة عرفتها فی تاریخها، ومفجوعة أکثر بتحول الرجعیة العربیة إلى أداة فی ید الامبریالیة والصهیونیة لتحقیق هذه الفجیعة خالعة جلباب العروبة والقومیة لتلبس جلباب العمالة والارتهان لهذا الغرب المتغطرس والظالم ، ومفجوعة أکثر وأکثر بزحف الظلامیة والعقل الستاتیکی والتسلل إلى مفاصل المجتمع العربی الإسلامی لتغییر وجه الإسلام المشرق والمبنی على التسامح والتعاضد والتآلف والوقوف کالبنیان المرصوص فی وجه من یحاول الاعتداء علیه.

لیس مبالغة إذن القول إن الأرض العربیة فتحت فاها لأعدائها ومکنتهم لیس من ابتلاع لسانها العربی فحسب، وإنما لینقلوا إلیها فیروسات الطائفیة وجراثیم المذهبیة، ولیزرعوا فیها بذور الشقاق والتعصب والعنف والإرهاب، عبر مشارط 'الدیمقراطیة و الحریة' وحقن 'حقوق الإنسان والدولة المدنیة' .

إن کل ما یجری من تدمیر وتهجیر وقتل ممنهج ضد الدول العربیة المستهدفة ، سواء بالأصالة أو الوکالة ، إنما هو یجری باسم المستعمرة الکبرى «إسرائیل» وأمنها وبقائها ؛ ولذلک .. لا غرابة فی أن یدنس المسجد الأقصى و یقسم زمانیًّا ومکانیًّا فی مرحلته الأولى تمهیداً لتدمیره فی مرحلته اللاحقة ومن ثم تصفیة القضیة الفلسطینیة ، فی زمن تکاثر فیه الرجعیون والعملاء والخونة والإرهابیون والتکفیریون الخادمون لـ«إسرائیل» وأمنها وبقائها .

لن نقف عند ما یجری من حرب تدمیریة إلغائیة تشنّها أشد الأنظمة القبلیة إسفافاً فی الانحطاط، والغلوّ فی التبعیة الاستعماریة، وأشدها انغماساً فی اختزان الأحقاد، ضد مراکز التحضّر الکبرى فی کل من مصر والیمن والعراق وسوریا ، لأننی أفترض أن ما یجری الآن أوضح من أی محاولة للشرح والتفسیر، بوصفه یبهر العیون من شدة الوضوح والسطوع . فالأجدى أن نقف عند تأصّل روح القتل الجماعی، والتدمیر الشامل فی أذهان شرائح، وفئات اجتماعیة شتى، عاشت منذ مئات السنوات على الأرض السوریة التی عدّها العرب على مر التاریخ بوّابتهم الفضلى، وربما الوحیدة، إلى الحضارة والرقی، بإطلاق دلالتی الحضارة والرقی على حد سواء .

وإذا کان الاستعمار القدیم یقوم على استخدام القوة الغاشمة وتغییر الثقافات وسلخ الهویات وبذر بذور الفتن والخلافات على قاعدة 'فرق تسد' ، فإن الاستعمار الجدید لا یختلف عنه إلا بتزویق وجهه القبیح بشعارات تم تعریتها من جمیع مضامینها ومبادئها ومعانیها، ومن کثرة تردید اسطوانتها المشروخة أخذت الآذان تشکو الصمم، فما عاد هناک حیز لسماعها مطلقاً بعد أن أثبتت الوقائع والأحداث زیفها وکذبها، فـ (الدیمقراطیة وحریة التعبیر وحقوق الإنسان وحمایة المدنیین) لم تکن سوى مطارق یفتت بها تماسک المجتمعات العربیة والإسلامیة فی سبیل تأمین المصالح الاستعماریة وبقاء الکیان الصهیونی.

والمؤلم حقاً أن دول الاستعمار القدیم ـ الجدید کانت على الدوم الأقدر على إیجاد الأدوات من الداخل لتحقیق مآربها، وحین تصل إلى مبتغاها عن طریق أدواتها تعمل على حرقها والتخلص منها، والوقائع والأحداث أیضاً تؤکد ذلک. فالمسافة الیوم خطرة ووعرة، تلک الواقعة ما بین میدان الجریمة الراهن والأهداف المنوطة بالمشروع الاستعماری الکبیر وهی مساحة مشوشة ومفعمة بالتناقضات، وقد تدفقت إلیها تداخلات مرکبة صار الأبیض بموجبها أسود، وتحول القتل وسفک الدم الحرام فیها إلى جهاد وأصبح العدو الغربی الصهیونی فی مساراتها صدیقاً وشقیقاً وحلیفاً، واتخذ المتخلف فیها موقع التوجیه والقیادة وکأنما هو یسوس ویسوق قطیعاً من الإبل أو الغنم .

هی المسافة العقدة حقاً و حقیقة ، وما دامت بلا قواعد فکریة وبدون محددات أخلاقیة فهی تصلح کما هو الحال لأمرین متلازمین للکذب من جهة وللجریمة المنظمة من جهة أخرى وفی تفرعات هذین الأمرین تقف بصورة واقعیة المواقف القادمة من الموت والذاهبة إلى الموت.‏

وما ضرّ هذه القوى المعادیة القابعة وراء المحیطات أن تمتد مخالبها وأنیابها عبر العصابات المسلحة وجوقات الترویج الفکری والإعلامی لتیار الظلم والظلام، ومادام الأصیل فی حجره فی الغرب الأمیرکی والأوروبی لا یدفع دولاراً واحداً ولا یضحی بعنصر واحد من عساکره ، فالمسألة عندها لیست مفهومة فحسب بل هی مرغوبة ومطلوبة وهی قادرة بما تمتلک من استطالات وخداع على أن تغطی تلک المسافة الهائلة ما بین الواقع المشؤوم والهدف المزعوم، ولا حاجة لأحد عندهم أن تهدأ الخواطر أو أن تستریح المدافع والبنادق، فالوقود من البشر والسلاح والمال والکرامة هو هنا فی الداخل العربی ولابد من دفعه قسراً إلى الدول التی لا تأتمر بأوامر الصهیونیة، وبتکثیف دقیق وشدید نقول إنها المعرکة الحاسمة بین الحق والباطل .‏

والمعرکة الحاسمة بین الوجود والفناء والموجات تداهم المیدان بأنواع من التحریض ومن الإغراء الهمجی الذی لا یتوقف ولا ینضب والذی تستثمر فی تغذیته موارد غزیرة أیضاً لا تتوقف ولا تنضب ومنها المال ومنها البشر ومنها الخطاب الدینی الإسلامی الذی اعتمد أن یفرغ الإسلام العادل من مضمونه ویطلقه إدعاءات مزیفة فی أکبر معرکة لتشویه الحقائق وافتعالات الصراعات المجانیة حتى ولو أدى ذلک إلى تدمیر البیت على ساکنه أو إلى وضع الإنسان فی مواجهة أخیه الإنسان یشوهه ثم یردیه قتیلاً ثم یقول ها أنا قادم من الحریة إلى الحوریات العین فی الجنة الموعودة.

إنها أکبر معرکة فی التاریخ البشری المعاصر تشهد هذا الأفق من التزویر وهذا المدى من سفک الدم الحرام وهنا نلتقط میزتین لهذا الصراع یطاردان فی کل حین البشر والحجر والشجر والأثر، حتى لکأن العلاقة ما بین الإنسان والحیاة صارت مجرد احتمالات محدودة فلا مکان للأمان ولا ضمانة للعیش البسیط، إنهم فی المحصلة یریدون خلق إنسان میت سلفاً أو فی طریقه إلى الموت ویحاولون فی ذلک أن یطلقوا قناعات بأن هذه الأوطان المقاومة والوطنیة، لا تصلح للحیاة ولا للحضارة ولا للاستقرار...

وعلى المواطن المنتمی إلیها أن یختار ما بین موت قابع للتو وراء الباب أو موت آخر بطریقة الرحیل عن الوطن کله واستلام وجبات المهانة والذل بحجة أن الحیاة مع الذل هی أفضل من الموت مع الکرامة ونعود للمیزتین اللتین بُنی فیهما الصراع الدائر ومنهما اشتق هذا الخیار الهجین الذی یریدون له أن یُغلق بل ویستولی على فکر الإنسان وعقله ووجوده وإرثه الحضاری لیتحول بعد ذلک إلى إنسان فرد لا یجید سوى الهزیمة وإلى إنسان مجرد لا یجید سوى التدافع والاقتتال والاستعانة بالشیطان إذا کان الشیطان یساعد فی تدمیر الحیاة.

والمیزة الأولى ههنا لهذا الصراع هی متمثلة بکون الصراع ذاته نقیض العقل وعدو المصلحة وخصم الحقیقة، لذا لابد أن یتکثف هذا الصراع فی الهامش الضیق وفی الحیز الذی امتلأ بالسموم والأحقاد، لابد أن یکتسب الصراع کما یخططون المضمون الغرائزی والنزعة الثأریة والتهام الأوهام والنظر إلى الآخر، إلى الإنسان شریک المبدأ ورفیق الدرب وذاکرة الحیاة الطیبة والخیرة إلى عدو ملحدٍ هو سبب کل المشکلات على الأرض ولابد من تدمیره بلا رحمة ولابد من محاسبته على عمره الذی مضى وعلى سلوک آبائه وأجداده.

إنها المیزة الثأریة الانتقامیة التی تتخذ من الجهل والتعصب مرصداً ومنبعاً ودافعاً، وهنا نحن نلمس بل ونکتوی بنار هذه النزعة ولا أحد یسأل لماذا القتل على هذا النحو لماذا الإبادة، لماذا التفجیر، لماذا القتل العشوائی لماذا تعطیل المصالح العامة بعد تدمیرها ولا یصلح لتسدید الإجابات عن کل هذه الأسئلة سوى عمى البصر والبصیرة وطوفان الجهل والعصبیة وتحمیل ذلک کله لذات منخورة مفرغة من القیم خارجة عن الذمم تسمع وتطیع تتلقى الأمر وتنفذه من أعداء الله والإنسان بلا تردد بل بشعور صارخ من السادیة المفعمة بالدم والأشلاء ومتعة احتراق الوجود.

لا أظن أن لدى أیٍّ من أولئک 'الذین ینصبون أنفسهم قیمین بالسوط، والبندقیة، وسیف الاتهام، واستباحیة سیاسة ووسائل إعلام... لا أظن أن لدى أیٍّ منهم نوراً، یکفی لإضاءة قلبه وعقله وروحه، بحیث یرى أن للآخر، الشریک فی الوجود والمصیر، مثل ما له من رأی وقرار ودور، فی شراکة الوجود والمصیر... بل أرى کثیرین یغرقون فی غیاهب ظلامیة التطرف، والتعصب، والاستعلاء، والادعاء، والانغلاق، والجهل المفضی إلى عصْمَویَّة فتاکة، ترى نفسها الناجی والمُنقذ معاً... وفی تجارب ومواقع کثیرة ثبت أنهم 'الضلال والخیبة والظلام'، ولکن أحداً لا یعترف بشیء من ذلک، حتى وهو یهوی بنفسه وبغیره إلى قعر الهاویة... فهناک فی قعر الهاویة، لدیه فصل من 'نضال؟! '

ویسألون بعد ذلک هل یمکن أن تأتی الکمیات البشریة التی انتمت للتدمیر والقتل إلى کلمة سواء مع طرف آخر أو مع موقع فی العالم لا یزال حی الضمیر وقلبه ینبض بأصول الحیاة التی أوجد الله الإنسان من أجلها وأوجدها من أجل الإنسان، فلا هدنة ولا مهادنة یخطر على بال هؤلاء المجرمین وکیف یخطر ذلک ببالهم ما داموا یقبضون الثمن ویتحرکون بدوافع الغریزة وتحت مظلة الجهل والحقد الدامس.

وأما المیزة الثانیة فی الصراع المحتدم بین إرادتی الوجود والعدم فإنها تقع فی منحى واحد هو أن تستمر حالة الاقتتال وأن یستعر أوار الصراع وأن یُصب الزیت على النار فالبشر والحجارة وقود لا ینتهی لنهمة هذا الصراع المخطط فی الخارج والمنفذ بحذافیره الزرق فی الداخل العربی.

وحینما یکون الاقتتال هو مادة الحیاة فینا ولنا ونکتب قصتنا الغرائبیة بدم الأطفال والنساء والشیوخ یکون ذلک هو الهدف الاستعماری بحد ذاته، وهو وسیلة التدمیر والإنهاک لأنه المتعة الأهم للمجرمین وشذاذ الآفاق والمنحرفین وأصحاب السوابق ومن فی نفوسهم مرض والذین لم تبقَ سوى أن یغلفهم المستعمر بإدعاءات الجهاد والدیمقراطیة ورفع رایة الله المزعومة.‏

ورغم وضوح زوایا الحقیقة حول الدور الغربی وامتطائه أنظمةً وجماعاتٍ وأحزابًا، وتقنعه بأقنعة الکذب والنفاق، فإن هناک من لا یزال مصابًا بالعدوى ویرفض أخذ الأمصال والتخلص من الداء، بل إنه یرى فی هذه الأدواء العضال سببًا فی نیله الخاتمة التی یتوهم أنه سینالها بسلوکه مسالک الإرهاب والعنف التی یزینها له شیاطین الإنس على أنها 'جهاد' ینقله إلى مصاف الأنبیاء والصدیقین. وفق هذا التقدیر، فإن هذا النجاح لمعسکر التآمر والتخریب بقیادة القوى الاستعماریة والامبریالیة فی بعثرة دول المنطقة وتشتیت شعوبها وتقسیمها إلى طوائف ومذاهب متصارعة متواجهة، دفع المنطقة إلى حفلة جنون کاملة یرقص المحتفلون فیها على أنهار الدماء البریئة المسفوکة عدواناً وظلماً وعلى جثث الأبریاء، ویتاجرون فی الموت والقتل، ویطلقون صیحاتهم وتغریداتهم فرحاً وطرباً 'دعهم یتقاتلون، یتناحرون، وما علینا سوى التلذذ بمشاهد الذبح ومسیل الدماء'.

إن المستعمرین الجدد لم ینفکوا عن تقدیم الدلیل تلو الدلیل على حقیقة نهجهم الاستعماری، إلا أن من المؤسف أنه لا یزال ثمة من یصر على الارتماء فی عباءتهم، ویرفض الاتعاظ والاستیعاب... بل هناک من بین ظهرانینا من لا یزال یعمل على تقدیم العون وأسباب البقاء، سواء لکیان الاحتلال الصهیونی أو للقوى الغربیة الامبریالیة الاستعماریة من خلال الخطب والفتاوى والدعوة إلى 'النفرة' و'الجهاد' فی أماکن یمثل تدمیرها وتقسیمها موضع اهتمام وهدفاً استراتیجیاً...

وبدل أن تدعو الفتاوى والخطب إلى الجهاد فی فلسطین ونصرة الشعب الفلسطینی المسلم المظلوم ورفع الظلم، راحت تحرض على الفتنة الطائفیة والمذهبیة والعنف ضد المسلمین فی سوریا وغیرها، فهل سیسمح ذوو العقول المستنیرة وذوو الحکمة من أبناء هذه الأمة والغیورین على دینهم وعروبتهم بأن تستقر هذه الفتنة المذهبیة فی جسد أمتهم لتنهش فیه وتقتل وتدمر ذاتها بسلاح الخلطة الطائفیة الغربیة؟

لهذا فإن دور الشعب العربی وفی هذه المرحلة بالذات، هو دور أساسی ومسؤولیته مسؤولیة رئیسیة، ذلک أن شعبنا یناضل فی أهم مناطق العالم وأکثرها مساساً بمصالح الاستعمار، لذلک فإن مسؤولیة الجماهیر العربیة بالذات وقبل غیرها، تتحدد بوضوح، فالذی لا یمکن إنکاره إن للاستعمار أصابع وأرجلٍ تتحرک بملء الحریة بل وتحکم فی أجزاء کبیرة من وطننا العربی، وما تمثله هذه القوى من مخاطر على مستقبل الأمة العربیة لیس بخاف على وعی الجماهیر العربیة وهذا ما یجعل الجماهیر أمام مسؤولیاتها لأن الخطر أکبر من أن تغض الطرف عنه، وبالتالی فإن مبادرتها لاستلامها زمام أمورها بأیدیها هی المهام التی لا یمکن الإبطاء فی تحقیقها.‏

وأکبر المسؤولیات وأهمها هی مسؤولیة القوى التقدمیة العربیة التی تقع على عاتقها مهمة قیادة الجماهیر، قیادة تحقق للأمة العربیة أهدافها وتحقق النصر الذی سیجدد مستقبل هذه الأمة.‏

إن القوى القومیة والتقدمیة لن تستطیع القیام بهذا الدور القیادی ما لم توحد صفوفها وتزید من تلاحمها للوقوف کتلة متراصة ضد کل مطامع العدوانیة التی تتربص بأمتنا ووطننا، کذلک فإنه لابد لهذه القوى من أن تدرک أن التقهقر الاستعماری القائم، هو الفرصة التاریخیة لها، لتقوم بدورها التاریخی البارز فی طلیعة الشعوب المکافحة للإجهاز على الاستعمار.‏