وفی الجغرافیا شکل کیان الاحتلال الصهیونی فاصلا وقاطعا للتواصل المصری مع بلاد الشام ، وفی الدیموغرافیا أسس هذا الیوم المشؤوم لشتات فلسطینی طویل ومأساوی ، أما فی السیاسة فقد ظلت "النکبة" بمفاعیلها المستمرة و المستدامة عاملا مؤثرا فی کل التطورات السیاسیة والشعبیة التی سیشهدها العالم العربی منذ العام 1948 وحتی الیوم.

صحیح أن الأیام والأسابیع التی تلت "النکبة" کانت أیام تیه وضیاع.. حیث تمکنت العصابات الصهیونیة من نزع سلاح المقاومین و قتل قیاداتهم و تدمیر البنی التحتیة للمجتمع الفلسطینی فی ظل صمت الأنظمة العربیة .. صمت یذهب کثیرون إلی اعتباره تواطؤا مع الجریمة الدولیة .. إلا أن فعل المقاومة سرعان ما انبعث من جدید بجهود الشعب الفلسطینی الذی بقی مصرا علی مقاومته للاحتلال فی کل یوم وفی کل ارض حل فیها .

فی الذکری الثامنة و الستین لـ"النکبة" ، تبدو الأمور أکثر تعقیدا علی القضیة الفلسطینیة .. الوضع العربی هو احد الأسباب إذ ساهمت التطورات فی تهمیش القضیة الفلسطینیة علی حساب قضایا ثانویة ضیقة وصولا إلی استنفار القدرات العسکریة والسیاسیة العربیة لشن حروب ضد دول عربیة شقیقة کما هو حاصل الیوم من خلال العدوان السعودی علی الیمن، إضافة إلی الانقسام الفلسطینی الذی یشکل طعنة فی قلب الأمة وفلسطین.

و یتفق الفلسطینیون علی اعتبار المرحلة من أکثر المراحل حساسیة وخطورة خاصة فیما یتعلق بجعلها فی أدنی سلم أولویات العالم العربی ویشیر القیادی فی «الجبهة الشعبیة لتحریر فلسطین» مروان عبد العال إلی أن کل سنة تضاف إلی سنوات النکبة تعنی أن مفاعیل هذا الحدث لا تزال قائمة والمفاعیل بحسب عبد العال "اخطر من فعل الاحتلال نفسه" . و یتوقف عبد العال عند ما یسمیه «تجدد أسباب النکبة» خلال هذا العام تحدیدا . تشبه الأوضاع ما کان سائدا فی العام 1948 ، وصلت حالة الاختلاف والفرقة فی العالم العربی ومحاولة إخراج فلسطین من حیاة العرب والمسلمین وسیاستهم وأوطانهم إلی الذروة خلال السنتین الماضیتین . و یتحدث عبد العال بحسرة عن مشهد الجیش السعودی الذی یشن حربه علی الیمنیین . و یقول : لقد ظهر أن العرب یمتلکون کل شیء ، السلاح والمال والقرار .. لکن ضد شعوب عربیة ، و لیس من اجل تحریر فلسطین . ویعتبر القیادی فی «الجبهة الشعبیة» أن ما یجری هو تنفیذ لقرار أمیرکی بان یقاتل جیش عربی جیشا عربیا آخر . و یضع عبد العال هذا الفعل فی إطار الدور الوظیفی لهذه الدول الذی یدفع إلی تشتیت مقدرات الأمة فی غیر المکان الصحیح .

و هذا الوضع یأسف له علی فیصل القیادی فی «الجبهة الدیمقراطیة لتحریر فلسطین» اذ یتحدث هو الآخر بحسرة عن الانقسام والتحارب العربیین ما یساهم فی تدمیر الجیوش العربیة وثروات شعوب هذه المنطقة . و یشیر فیصل إلی الجهود المبذولة من قبل النظام الرسمی العربی لصیاغة تحالفات ضد بعضهم البعض ، ویلفت إلی الدور الأمیرکی فی تغذیة الصراعات الاتنیة والعرقیة والطائفیة بهدف تدمیر الطاقات العربیة لضمان مصالح واشنطن . و یذهب فیصل فی قراءته للتخاذل العربی تجاه فلسطین مقابل الحماسة غیر المحدودة فی الحروب الداخلیة إلی حد اعتبار أن النظام العربی الرسمی لو انه انفق الأموال التی صرفت علی تسلیح وتمویل المجموعات الإرهابیة من اجل فلسطین لحررها ثلاث مرات ولیس مرة واحدة . و العوامل السلبیة فی ذکری "النکبة" لا تأتی من العالم العربی فقط . الساحة الفلسطینیة نفسها تستبطن معوقات کثیرة . أبرزها الانقسام الداخلی الذی یخدم الکیان الصهیونی ویقوی الاستیطان بحسب فیصل . فی المقابل یتحدث عبد العال عن الإدارة الفلسطینیة الخاطئة من قبل أطراف فلسطینیة . و تحولت القضیة عند هؤلاء إلی قضیة سلطة وأهداف السلطة غیر أهداف الوطن . لا بل أعطی هؤلاء الأولویة للسلطة علی حساب القضیة الوطنیة. ویخشی عبد العال من رضوخ بعض الفلسطینیین للضغوطات التی تمارس علیهم من اجل التنازل عن مزید من الحقوق الفلسطینیة .

وهذه الضغوط لم تتوقف یوما . وآخر المحاولات جاءت من خلال مشروع القرار الفلسطینی العربی الذی رفع إلی مجلس الأمن والذی تحدث عن الحل العادل واغفل أی ذکر لحق العودة ، و هو الأسمی بین الحقوق .

مشهدیة النکبة تتواصل فصولا و محطات ، إلا أن الأمل لا یزال أقوی .. فالشعب الفلسطینی لا یزال یمسک علی حجارته وصواریخه ، و نار الانتفاضة تحت رماد القمع الصهیونی فی الضفة و المقاومة فی غزة تراکم قدراتها .

ویراهن عبد العال علی العامل الأقوی داخل فلسطین وهو الشعب الفلسطینی ووجدانه المقاوم وحلم العودة الذی یتطور یوما بعد آخر ، ویلفت إلی أن کل الجهود الصهیونیة لم تنجح فی تدمیر الذاکرة الفلسطینیة التی ظلت تکبر وتتراکم وتتکثف لتجعل حلم العودة والتحریر حق لا یمکن التنازل عنه علی الرغم من کل المحاولات التی لم تتوقف .

بدوره یؤکد فیصل أن فلسطین لیست وحدها ، ویتحدث بأمل عن دور الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة المفصلی تجاه القضیة المرکزیة للأمة ، وهو علی قناعة بأن إیران التی راکمت قدراتها ، ما مکنها من فرض نفسها لاعبا قویا أمام واشنطن وعاملا رادعا للکیان الصهیونی .. ستکون احد مصادر قوة الفلسطینیین علی طریق تحریر الأرض والإنسان .