بغداد/ أربيل (هذا اليوم) - لا يمكن قراءة الأحداث الكبرى بمعزل عن سياقاتها الجيوسياسية المترابطة في عالم السياسة الدولية كما اعتاد الناس، فما يدور في الفناء الخلفي للولايات المتحدة قد يكون له صدىً مدوٍ في أقصى الشرق. ومن هذا المنطلق، فإن أي سيناريو مفترض لـ"تحييد" الملف الفنزويلي، سواء عبر تغيير سياسي دراماتيكي أو احتواء شامل، لن يكون مجرد ترتيب لأوراق القارة اللاتينية، بل قد يُقرأ استراتيجياً باعتباره خطوة نحو "تأمين الظهر الطاقوي" للغرب.
ويرى محللون أن العقيدة العسكرية الأمريكية تميل غالباً إلى عدم الانخراط في جبهات ساخنة كبرى إلا بعد ضمان بدائل الطاقة وتأمين استقرار الأسواق؛ وهنا تظهر فرضية مفادها أن السيطرة على مكامن النفط في نصف الكرة الغربي، مضافةً إلى طفرة النفط الصخري الأمريكي والاحتياطات الخليجية، قد تمنح صانع القرار في واشنطن هامش مناورة أوسع، وتقلل من كوابح "الخوف الاقتصادي" التي طالما منعت الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة، مما يجعل خيارات التصعيد أكثر قابلية للطرح على الطاولة.
هذه القراءة لملف الطاقة تتزامن مع رصد دقيق لتحركات ميدانية في منطقة الشرق الأوسط، توحي بأننا أمام مرحلة جديدة من "استعراض القوة" الذي قد يتجاوز حدود الضغط الدبلوماسي. إن المؤشرات الحالية، من مناورات عسكرية مكثفة وإجراءات تتعلق بأمن الملاحة الجوية، يمكن تفسيرها كجزء من خطة "الردع الأقصى".
وتشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن الجسر الجوي النشط، ونقل المعدات اللوجستية والأنظمة الدفاعية إلى قواعد المنطقة، قد لا يكون مجرد إجراء روتيني، بل تحضير لسيناريوهات متعددة تتراوح بين الردع والدفاع، وصولاً إلى احتمالية توجيه ضربات استباقية. ويبدو أن الولايات المتحدة تسعى لإيصال رسالة مفادها أنها باتت تمتلك الجاهزية لامتصاص أي رد فعل انتقامي، وهو ما يغير معادلة الاشتباك التقليدية.
تزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى التموضع البحري والجوي؛ حيث يُقرأ تحريك المجموعات القتالية البحرية وحاملات الطائرات، بالتزامن مع الحديث عن نشر قاذفات استراتيجية نوعية، كتلويح بـ "الخيار العسكري الثقيل". هذه التحركات لا تعني بالضرورة أن الحرب واقعة لا محالة، لكنها تضع المنطقة في "المنطقة الرمادية" الخطرة، حيث ترتفع احتمالات الخطأ في الحسابات.
كما أن تقليص العمل الدبلوماسي في بعض البعثات الغربية يُعد تاريخياً مؤشراً مقلقاً يسبق عادةً جولات التصعيد، مما يشي بأن القنوات السياسية قد تكون وصلت إلى طريق مسدود، أو أنها تخضع لعملية "تجميد مؤقت" بانتظار نتائج الضغط الميداني.
ومع ذلك، يبقى قرار الحرب والعمل العسكري الواسع خاضعاً لحسابات معقدة داخل أروقة القرار في واشنطن؛ فالأمر ليس مجرد رغبة عسكرية، بل هو توازن دقيق بين "الصقور" الداعين للحسم، وبين المؤسسات الاقتصادية والسياسية التي تخشى التبعات.
لا شك في أن الاعتقاد بأن تأمين مصادر الطاقة البديلة يمنح "ضوءاً أخضر" مطلقاً هو تبسيط مخل؛ فالحرب، إن وقعت، ستحمل معها تكاليف باهظة وفوضى قد يصعب ضبط إيقاعها. وكما تعلمنا من نماذج تاريخية سابقة، فإن سياسات "الخنق الاقتصادي" و"الحصار" قد تكون مقدمات لتغيير الأنظمة، لكنها ليست وصفات سحرية مضمونة النتائج، فلكل ساحة خصوصيتها، وإيران تمتلك أدوات وأوراقاً تختلف جذرياً عن تجارب سابقة في المنطقة.
وفي سياق متصل، لا يمكن إغفال التفاعل بين الضغط الخارجي والديناميات الداخلية في إيران. فالاحتجاجات والأوضاع الاقتصادية الصعبة تمثل متغيراً حاسماً، وقد تنظر إليها واشنطن كـ "فرصة سانحة" لزيادة الضغط، وربما تبرير أي تدخل مستقبلي تحت ذريعة "حماية المدنيين" أو "دعم المطالب الشعبية".
يضع رسم "الخطوط الحمراء" من قبل الإدارة الأمريكية تجاه التعامل مع المتظاهرين النظام في طهران أمام معضلة حقيقية؛ فبين مطرقة العقوبات القاسية وسندان الغضب الشعبي، تضيق الخيارات، وتصبح الساحة مهيأة لسيناريوهات "هندسة التغيير" التي تعتمد على استثمار الأزمات الداخلية بالتوازي مع التهديد العسكري الخارجي.
أما على الصعيد الدولي، فإن المراهنة على تدخل مباشر من قوى كبرى مثل روسيا والصين لقلب المعادلة قد تكون مراهنة غير واقعية. فالتاريخ القريب يشير إلى أن هذه القوى، رغم معارضتها للهيمنة الأمريكية، تميل إلى إدارة مصالحها بواقعية، وقد تكتفي بـ "المشاغلة السياسية" أو الدعم غير المباشر لإطالة أمد النزاع واستنزاف الغرب، دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة. هذا الموقف الدولي "البراغماتي" يترك المنطقة، ودولاً مثل العراق تحديداً، في مواجهة مباشرة مع العاصفة.
وبالنظر إلى مجمل هذه المعطيات، فإن المنطقة لا تقف بالضرورة أمام سيناريو "يوم القيامة" الحتمي، بل هي أمام مروحة من الاحتمالات المفتوحة. قد نشهد "حرباً جراحية" محدودة تستهدف تحجيم القدرات النوعية دون تغيير شامل، أو قد يستمر سيناريو "حافة الهاوية" عبر حروب الظل والوكالة، وهو ما سيستنزف المنطقة اقتصادياً وأمنياً ببطء. أما السيناريو الأخطر، وهو المواجهة الشاملة، فيظل قائماً إذا ما انهارت منظومة الردع المتبادل.
وبالنسبة للعراق، فإن موقعه الجيوسياسي يجعله عرضة لارتدادات أي خيار من هذه الخيارات، سواء كانت عسكرية مباشرة أو اقتصادية خانقة، ما لم تنجح الدبلوماسية في اجتراح "حلول اللحظة الأخيرة" التي تعيد ضبط إيقاع الصراع ضمن قواعد اشتباك يمكن التعايش معها.