شفق نيوز - واشنطن

مصطفى هاشم

شهدت فعالية إطلاق "مبادرة البحار الأربعة" في نادي الصحافة الوطني بواشنطن اليوم الخميس، تصريحات استراتيجية بارزة أدلى بها مسؤولو ومؤلفو المشروع في معهد "نيو لاينز" للاستراتيجية والسياسة؛ حيث أكدوا أن المبادرة تمثل تحولاً جذرياً في التعاطي مع منطقة الشرق الأوسط، والانتقال بها من "ممرات صراع" إلى "ممرات اقتصادية".

في كلمته الافتتاحية، أشار رئيس قسم الاستراتيجية في معهد نيو لاينز، عظيم إبراهيم، إلى أن المبادرة تنطلق من فرضية بسيطة للغاية تعيد قراءة الخارطة الجيوسياسية. ولفت إبراهيم إلى أن سوريا نُظر إليها لعقود من منظور الحرب والأزمات الإنسانية، لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تُعرّف بأوقاتها المظلمة بل بما يأتي بعدها، واليوم نناقش "ماذا بعد".

وتابع إبراهيم: "بالنظر إلى الخارطة، تقع سوريا وتركيا عند تقاطع أربع من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم: الخليج العربي، بحر قزوين، البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود. والمبادرة هي إطار لإعادة ربط هذه المناطق عبر بنية تحتية حديثة للطاقة والنقل لتكون سوريا وتركيا والعراق بمثابة جسر يربط طاقة الخليج والعراق وقزوين بالأسواق الأوروبية". 

وأعرب إبراهيم عن سعادته بتبني الرئيس السوري، أحمد الشرع، لهذا المفهوم وإدراكه للفرصة الاستراتيجية التي تتيحها جغرافية سوريا السياسية.

ليس عملاً خيرياً بل استراتيجية مصالح

ووجّه إبراهيم رسالة واضحة لصُنّاع القرار في واشنطن، مؤكداً: "ليكن مفهوماً تماماً؛ هذا ليس مشروع مساعدات إنسانية، وليس مشروعاً طوباوياً لبناء الأمم. هذا مشروع بنية تحتية استراتيجية يعزز المصالح الأمريكية".

وأوضح أن المشروع يعزز أمن الطاقة الأوروبي، ويقلل الاعتماد على الموردين الخصوم، ويفتح فرصاً ضخمة للاستثمارات الأمريكية كبديل تجاري للتمدد الصيني في المنطقة. 

وأعلن أن هذا الإطلاق هو بداية حوار؛ وخلال الأشهر المقبلة سيتم نقل المبادرة إلى المسؤولين وقادة الأعمال في واشنطن، بروكسل، لندن، والمنطقة ذاتها لبناء تحالف دولي يدعم هذا المفهوم.

تكرار نموذج "البحار الثلاثة" الأوروبي

من جانبه، استعرض البروفيسور تيمستوكليس أستينيديس، المؤلف المشارك للمشروع، الواقعية التطبيقية للمبادرة، رداً على المشككين الذين قد يروها مجرد "تمرين أكاديمي" أو مشروع غير واقعي. وأكد أستينيديس أن المقترح يستند إلى سابقة تاريخية ناجحة، وهي "مبادرة البحار الثلاثة" التي أطلقها رئيسا كرواتيا وبولندا عام 2016 لربط 12 دولة أوروبية عبر بحر البلطيق والأدرياتيكي والأسود.

وبين أنه رغم أن النقاد وصفوها حينها بـ"غير الواقعية"، إلا أن الدعم السياسي الاستراتيجي الذي نالته من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ولايته الأولى في قمة وارسو عام 2017 حوّلها إلى واقع ملموس. واليوم، محطات الغاز المسال تتدفق عبر أوروبا بفضل تلك البنية التحتية الصلبة التي قلصت النفوذ الروسي.

وكشف أستينيديس أن فريق المعهد قضى الأشهر الستة الماضية في تطوير هذه الفكرة واختبارها مع أصحاب المصلحة على الأرض. وأضاف أن الرئيس السوري أحمد الشرع أيد الفكرة رسمياً خلال اجتماعات جرت في نهاية نيسان/أبريل الماضي. ولفت إلى أن تسمية السفير الأمريكي الخاص، توماس باراك، كمبعوث لسوريا وتركيا، تعكس تعامل واشنطن مع هذا الممر كوحَدة استراتيجية بديلة لمضيق هرمز والبلقان والبحر الأحمر.

وأوضح أن المبادرة تلبي ثلاثة أهداف للإدارة الأمريكية في آن واحد: الهيمنة في مجال الطاقة، الاستقرار التجاري للشرق الأوسط، وتقليل اعتماد أوروبا على طاقة الخصوم مثل روسيا وإيران.

واختتم البروفيسور أستينيديس كلمته بالإشارة إلى أن سوريا تحتاج إلى نحو 400 إلى 500 مليار دولار لإعادة الإعمار. ولن يأتي هذا عبر حزم المساعدات التقليدية أو إثقال كاهل الدول الأوروبية بالديون، بل المخرج الوحيد هو مشاريع بنية تحتية تجارية مستدامة ومربحة.

ودعا إلى غطاء سياسي قوي من التحالف العابر للأطلسي (أمريكا وأوروبا) مماثل لقرار وارسو 2017 لإنجاح هذه المبادرة وتغيير مشهد الطاقة في الشرق الأوسط.

الكونغرس يدخل على الخط بتعهدات تشريعية

إلى ذلك، شهدت أعمال إطلاق "مبادرة البحار الأربعة" اليوم في نادي الصحافة الوطني بواشنطن، موقفاً تشريعياً أمريكياً بارزاً يعكس الاهتمام المتزايد من الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) بالمشروع؛ حيث ألقى أحد المنظمين رسالة رسمية موجهة من عضو الكونغرس الأمريكي البارز جو ويلسون (Joe Wilson)، أعلن فيها تأييده الكامل للمبادرة وعزمه ترجمة مخرجاتها إلى مقترحات تشريعية داخل الكونغرس.

واستهل عضو الكونغرس جو ويلسون رسالته بالإشارة إلى التهديدات الأمنية الراهنة في المنطقة، مؤكداً أن سلوك النظام الإيراني بإغلاقه المتكرر لمضيق هرمز، أثبت للعالم أجمع الحاجة الماسة والمُلحة لإيجاد ممرات مائية وبرية بديلة لهذا الممر الحيوي المهدد.

وأضاف ويلسون: "إن سوريا، إلى جانب تركيا الحليفة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يمكنهما أن يكونا شريكين داخليين أساسيين في هذا الجهد الاستراتيجي". 

وعبر عن سعادته بتبني وتأييد التفكير الإبداعي لمعهد "نيو لاينز" في طرح مبادرة البحار الأربعة، والتي تستغل موقع سوريا الجغرافي المتميز لنقل النفط والغاز الطبيعي، مشدداً على أن نجاح هذا المشروع سيعمل بشكل مباشر على "نزع سلاح حيوي من ترسانة النظام الإيراني الإرهابي، والذي طالما استخدمه لابتزاز المجتمع الدولي، مما يسهم في تحقيق استقرار حقيقي ومستدام للمنطقة ككل".

مواجهة أذرع إيران لمنع التكامل بين بغداد ودمشق

ولم يغفل عضو الكونغرس التحديات الأمنية على الأرض؛ حيث أشار إلى "أهمية دمج العراق وسوريا اقتصادياً وتجارياً في مجالات الطاقة"، لافتاً إلى أن "الميليشيات التابعة لإيران خاضت وما زالت تخوض مواجهات عنيفة وتدفع بقوة لمنع أي تكامل اقتصادي أو طاقي بين بغداد ودمشق، لعلم طهران أن هذا الترابط سينهي نفوذها وهيمنتها على البلدين".

واختتم ويلسون رسالته بتمنياته بنجاح هذا المؤتمر الهام، موجهاً دعوة مباشرة للمشاركين من مسؤولين وخبراء ومخططين استراتيجيين بالقول: "إنني أتطلع بفارغ الصبر لتسلم المقترحات والتوصيات التشريعية التي سيخرج بها مؤتمركم اليوم، لكي أقوم بتقديمها كمشاريع قوانين وتشريعات داخل الكونغرس الأمريكي، بدعم مشترك من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) وبالتعاون مع شركائي في المجلس".