في خطوة لافتة، طالب مدير شركة تسويق النفط "سومو"، السيد علي نزار، أجهزة الأمن والمخابرات بحماية موانئ العراق من ناقلات تعمل خارج الأطر القانونية. لكن هذه الصرخة، التي تبدو حديثة، ليست سوى صدى لتحذيرات أطلقها إقليم كردستان مراراً في الماضي حول وجود عمليات تهريب منظمة للنفط، وهي التحذيرات التي قوبلت حينها بالتجاهل أو التكذيب من قبل الأوساط الرسمية في بغداد.
واليوم، تتكشف تفاصيل آلية النهب هذه بوضوح. يكشف الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي أن الخط الأول للتهريب يبدأ عبر منح وكالات محددة تراخيص لشراء النفط الأسود بالسعر الرسمي المدعوم. تقوم هذه الوكالات بدورها ببيعه بأسعار مضاعفة إلى شركات وسيطة، تتولى نقله عبر أسطول من الصهاريج من المصافي مباشرةً إلى ميناءي أم قصر وخور الزبير. ويضيف المرسومي أن النفط يُحمَّل هناك على ناقلات بحرية تتجه إلى ميناء جبل علي في الإمارات، مرجحاً أن تكون وجهته النهائية هي مصفى الرويس، حيث يُعاد تكريره وتحويله إلى مشتقات نفطية بيضاء أكثر ربحية.
المفارقة الأشد وقعاً تكمن في توقيت رسالة "سومو"؛ فقد أُرسلت في اليوم ذاته الذي شهد اعتداءات السيدية والدورة. وكأننا أمام مشهد متزامن وموزع الأدوار: ففيما تقوم ميليشيات بافتعال أزمة للسيطرة على الأراضي بقوة السلاح في العاصمة، تقوم شبكات أخرى، لا تقل نفوذاً، بتنفيذ عملية نهب منظمة لثروات العراقيين. السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل تم تقسيم البلاد بالفعل بين هذه الفصائل والشبكات المتنفذة؟
هل يُعقل أن تدخل ناقلات نفطية عملاقة إلى المياه الإقليمية وتُحمّل بالنفط دون علم أو تواطؤ من الجهات المسؤولة؟ إن حجم هذه العمليات يجعل من الصعب تصديق أنها تتم في الخفاء، وهو ما يضع العقل في حيرة وشك.
والآن، تتجه الأنظار إلى جهازي الأمن الوطني والمخابرات، لمعرفة ما إذا كانا سيتحركان لتحديد هوية الأطراف الحقيقية التي تدير عمليات التهريب، أم أن القضية ستنتهي كالعادة بتحميل المسؤولية لموظف صغير. وفي المقلب الآخر، يبقى التحدي الأكبر مطروحاً على الحكومة العراقية: هل ستتمكن من كشف هوية منفذي اعتداءات الدورة وتقديمهم للعدالة، أم أن حسابات التحالفات السياسية والانتخابية ستقف حائلاً دون ذلك وتضمن لهم الإفلات من العقاب؟
