دبي/واشنطن (هذا اليوم) – تبدو منطقة الشرق الأوسط وكأنها تسير بخطى متسارعة نحو المجهول، حيث تتجمع المؤشرات لتشكل عاصفة كاملة. طهران تواجه ضغطاً غير مسبوق في حين يغلي الشارع الإيراني.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من جانبه يعيد رسم خطوطه الحمراء، وسط هذا المشهد المعقد، ثمة سيناريو عسكري محدد، سيناريو يصفونه خبراء بـ"الضربة المحدودة"، غير أن عواقب هذه الضربة قد تعيد تشكيل المنطقة لعقود قادمة.
لم ترامب يكتفي بمقعد المتفرج. يوم الثلاثاء، تجاوزت تصريحاته حدود الدعم الدبلوماسي المعتاد. انتقل ترامب صراحة إلى التحريض على إسقاط النظام.
معادلة ترامب الشرطية والضربة "المسيطر عليها"
يرى مراقبون للمشهد أن واشنطن قد لا تذهب للحرب الشاملة فوراً، فالخيار الأقرب هو عمل عسكري جراحي الهدف منه استعادة الردع.
المحلل السياسي علي أغوان يفكك هذا المشهد في منشور له، إذ يقول إن المنطقة قريبة جداً من ضربة أمريكية. ويصفها بأنها ستكون "سريعة ومحدودة".
لا يرى أغوان في هذا التحرك حرباً عشوائية. هو يعتقد أنها ضربة "متفق عليها" ضمنياً. الهدف منها الحفاظ على مصداقية تهديدات ترامب.
الرئيس الأمريكي كان واضحاً في معادلته الشرطية. قال سابقاً: "استهداف المتظاهرين يقابله استهداف أجهزة الأمن". واشنطن تريد تنفيذ هذا الوعيد.
ويشرح المحلل السياسي الكواليس المحتملة لهذه العملية، فالجانب الأمريكي سيبلغ طهران بالأهداف، وسيتم ذلك عبر وسطاء خلفيين.
هذا سياق مخابراتي معروف في الأزمات الكبرى فالهدف هو منع خروج الأمور عن السيطرة، فالضربة ستكون أمريكية على الأرجح، وليست إسرائيلية، فواشنطن تريد إمساك العصا من المنتصف.
طاولة المفاوضات وسيناريو "النموذج الليبي"
ما بعد الضربة هو الأخطر. يرى أغوان أن الطاولة ستكون جاهزة فوراً. السؤال الأمريكي سيكون واحداً ومباشراً: هل تتنازلون عن النووي والصواريخ؟ التنازل هنا يعني تسليم اليورانيوم المخصب. يعني تفكيك الصواريخ الباليستية. يعني تفتيشاً دقيقاً وشفافاً.
هنا يقف النظام الإيراني أمام مفترق طرق تاريخي. الموافقة تعني تكرار "النموذج الليبي" وهذا المسار يؤدي لإضعاف النظام وتغييره لاحقاً،
أما الرفض فيحمل معنى آخر.
يقول أغوان:
إذا قالوا كلا، فقد قرر النظام الموت وقوفاً".
هذا يعني خوض النزال الأخير، نزال يشمل عقوبات خناقة وحرباً أشرس، لكن أغوان يستدرك بهامش مهم، ومع ترامب كل شيء وارد، وقد يقرر الذهاب للمفاوضات الليلة دون أي ضربة.
الداخل يغلي: 2000 قتيل وأزمة شرعية
بينما تُقرع طبول الحرب في الخارج، يشتعل الداخل الإيراني فالاحتجاجات بدأت اقتصادية بسبب انهيار العملة وسرعان ما تحولت لسياسية. شعارات "الموت للديكتاتور" عادت للشوارع. السلطات واجهت ذلك بقبضة حديدية.
في تصريح خاص لرويترز، كشف مسؤول إيراني عن رقم صادم. المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه أكد مقتل نحو 2000 شخص. هذا الرقم يشمل متظاهرين وعناصر أمن. هذا أول اعتراف رسمي من داخل النظام بضخامة الخسائر. المسؤول وصف الموقف بالخطير.
الأصداء الدولية لهذه الأرقام كانت سريعة، فالمستشار الألماني فريدريش ميرتس كان متشائماً بشأن مستقبل النظام. قال صراحة: "أعتقد أننا نشهد الأسابيع الأخيرة لهذا النظام".
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رد بغضب. اتهم برلين بازدواجية المعايير. في هولندا، تحركت الدبلوماسية أيضاً. وزير الخارجية استدعى السفير الإيراني. الرسالة كانت شديدة اللهجة ضد "العنف المفرط".
الخطر القادم من الشرق: البصمة الروسية
الأزمة لم تعد محصورة في الخليج. تشابك المصالح مع روسيا زاد المشهد تعقيداً. تقارير "بلومبيرغ" كشفت عن تعاون عسكري عميق. موسكو اشترت أسلحة إيرانية بمليارات الدولارات. هذا الدعم مكن روسيا من الصمود في أوكرانيا. هذا التحالف يثير حفيظة الغرب. ويجعل ضرب إيران هدفاً استراتيجياً مزدوجاً لواشنطن.
ميزان القوة: الترسانة والاستعدادات
وفيما يلي تفصيل للقدرات العسكرية المؤثرة في المشهد الحالي، وحجم التعاون الإيراني الروسي الذي يؤرق واشنطن:
| الفئة | التفاصيل والمواصفات | التأثير الاستراتيجي |
| الصفقة الروسية | قيمة تقدر بـ 4 مليارات دولار منذ 2021. تشمل نقل تكنولوجيا التصنيع. | حولت إيران لمورد استراتيجي لموسكو. |
| صواريخ فتح-360 | تم توريد 500 صاروخ لروسيا. صواريخ تكتيكية، سرعة 3-4 ماخ، مدى 120 كم. | تهديد مباشر للعمليات البرية وتكنولوجيا متقدمة. |
| المسيرات الهجومية | مئات الطائرات من طراز شاهد-136 وشاهد-238. تمكين روسيا من إنتاج طراز "جيران". | أدوات استنزاف رخيصة وفعالة ضد الدفاعات الجوية. |
| الصواريخ الباليستية | طراز "فاتح-110" (300 كم) و"قيام-1" (800 كم). | القدرة على استهداف عمق الخليج بدقة عالية. |
| تكتيك الهجوم | استخدام صواعق تفجيرية جوية (Airburst). | تدمير الهياكل غير المدرعة وقتل الأفراد في محيط 100 متر. |
استراتيجية "الإغراق الدفاعي" والجحيم المتوقع
في المقابل، طهران لا تنتظر الضربة بصمت. تقارير استخباراتية تشير لخطة مضادة. الخبراء يسمونها "الإغراق الدفاعي". الفكرة تعتمد على الكثافة النيرانية. إطلاق مئات الصواريخ والمسيرات في وقت واحد. الهدف هو إرباك منظومات الدفاع الأمريكية. أنظمة "باتريوت" و"ثاد" قد تعجز عن صد هجوم بهذا الحجم.
بنك الأهداف: المسافات القاتلة وسيناريو "يوم القيامة" للقواعد
لم تضع طهران خططها في الفراغ. تشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن "بنك الأهداف" الإيراني تم تحديثه ليشمل إحداثيات دقيقة لنقاط الضعف في القواعد الأمريكية. الخطر لا يكمن فقط في دقة الصواريخ، بل في قرب المسافة الجغرافية التي تقلص زمن رد الفعل الأمريكي إلى دقائق معدودة، مما يجعل مهمة منظومات الدفاع الجوي شبه مستحيلة أمام الإغراق الصاروخي.
الجدول التالي يستعرض أبرز الأهداف في مرمى النيران الإيرانية، والنتائج الكارثية المتوقعة في حال استخدام رؤوس حربية بضغط انفجاري عالٍ (Overpressure):
| الهدف والموقع | القوة البشرية والمسافة | الأهمية الاستراتيجية (لماذا يُستهدف؟) | سيناريو الضربة (ضغط 300 PSI) |
| قاعدة العديد (قطر) |
القوة: ~8,000 جندي. المسافة من إيران: ~230 كم (زمن وصول الصاروخ: دقائق). |
تُعد "عصب" العمليات الجوية. تضم مركز العمليات الجوية المشتركة (CAOC) الذي يدير كل طلعة جوية أمريكية في المنطقة. | تدمير غرف العمليات المحصنة وملاجئ الطائرات. النتيجة: "شلل تام" في القدرة على تنسيق الهجمات الجوية المضادة. |
| قاعدة الأسطول الخامس (البحرين) |
القوة: ~7,000 - 9,000 عنصر (بحرية وإسناد). المسافة من إيران: ~200 كم. |
مقر القيادة البحرية المركزية (NAVCENT). المسؤول عن تأمين مضيق هرمز وخطوط إمداد الطاقة العالمية. | إغراق الأرصفة وتدمير السفن الراسية. النتيجة: فقدان السيطرة البحرية وقطع خطوط الإمداد اللوجستي. |
| قاعدة الظفرة (الإمارات) |
القوة: ~3,500 جندي. المسافة من إيران: ~250 كم. |
مركز انطلاق طائرات الاستطلاع (U-2) والمقاتلات الشبحية (F-35). هي "عين" واشنطن في الخليج. | تدمير مدارج الإقلاع وحظائر الطائرات ومراكز البيانات. النتيجة: "إعماء" منظومة التجسس والرصد الأمريكية. |
| قاعدة عين الأسد (العراق) |
القوة: ~2,500 جندي. المسافة من إيران: ~180 كم (الأقرب للحدود البرية). |
نقطة ارتكاز برية وقاعدة متقدمة للدعم اللوجستي والعمليات الخاصة. | ونظراً لقربها، فهي عرضة للصواريخ التكتيكية والمسيرات الرخيصة. النتيجة: خسائر بشرية كبيرة وعزل القوات البرية. |
ماذا يعني 300 PSI؟
لفهم حجم الكارثة المحتملة، يشير الخبراء العسكريون إلى أن المباني السكنية العادية تنهار عند ضغط انفجاري يبلغ 5 PSI فقط. الرؤوس الحربية الإيرانية المتطورة، المصممة للانفجار الجوي (Airburst)، تهدف لتوليد موجة صدمة تصل إلى 300 PSI. هذا الرقم يعني فيزيائياً تحويل الهياكل الخرسانية والمعدنية إلى غبار، وتمزيق "الرئة" والأعضاء الداخلية لأي كائن حي في المحيط، حتى لو كان محمياً بدروع تقليدية. إنها ليست مجرد ضربة عسكرية؛ إنها محاولة لمسح مراكز القيادة عن الخريطة.
تهديدات متبادلة ودبلوماسية خجولة
التصعيد اللفظي وصل لمستويات غير مسبوقة. رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف وجه رسالة نارية لترامب. قال له: "تعال لترى ما سيحل بقواعدك. ستكون عبرة للتاريخ". هذا التصريح يحمل في طياته تهديداً بضربة استباقية. طهران تلوح بأنها قد تبدأ هي بالهجوم.
لكن خلف الأبواب المغلقة، الصورة ضبابية. المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت حاولت تبريد الأجواء. قالت إن الدبلوماسية هي الخيار الأول. وأشارت إلى أن رسائل النظام السرية تختلف عن العلنية. وزير الخارجية الإيراني أكد استمرار قنوات الاتصال.
المنطقة الآن تحبس أنفاسها. ترامب يفرض الرسوم ويهدد. إيران تواجه غضباً شعبياً وتستعد للحرب. الخبراء يرجحون ضربة "ضبط إيقاع". لكن في الشرق الأوسط، حسابات الحقل نادراً ما تطابق حسابات البيدر. الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان صندوق "باندورا" سيُفتح على مصراعيه، أم أن هناك صفقة أخيرة تُطبخ على نار هادئة.