بغداد اليوم – بغداد
يتزايد القلق من دخول العراق مرحلة مالية حساسة، مع تضخّم الإنفاق الجاري وتراجع هوامش المناورة في الموازنة العامة، في وقت تعتمد فيه أغلب الأسر على الراتب الحكومي كمصدر دخل شبه وحيد، ما يجعل أيّ اهتزاز في سيولة الدولة أو انتظام الصرف تهديدا مباشرا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وحصلت "بغداد اليوم" على شهادات لموظفين في بعض الوزارات أكّدوا فيها أنّهم استلموا رواتبهم بعد نحو 45 يوما من موعدها المعتاد، فيما أشار عاملون في القطاع الخاص إلى أنّ تأخّر الأجور تجاوز حاجز 45 يوما في عدد من الشركات، ما ضاعف المخاوف من اتّساع دائرة الأزمة.
الخبير في الشؤون الاقتصادية رشيد السعدي قال، في حديث لـ"بغداد اليوم"، إن "العراق يمر بفترة مالية حرجة تتطلب اتخاذ قرارات صارمة لضبط الإنفاق العام والحفاظ على الاستقرار المالي"، محذرا من "تداعيات مالية حادة إذا استمر الضغط على الموازنة من دون معالجات حقيقية".
كتلة الرواتب "تبلع" الموازنة
تقارير بحثية حديثة تشير إلى أن الأجور والرواتب وحدها تستهلك أكثر من 60% من إجمالي الإنفاق الحكومي، بحدود 90 تريليون دينار سنويا، ما يعني أن الجزء الأكبر من المال العام يذهب شهريا إلى بند الرواتب والتقاعد على حساب الإنفاق الاستثماري والخدمي.
وبحسب بيانات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لعام 2025، يوجد نحو 4.5 مليون موظف مدني يتقاضون رواتب شهرية، إضافة إلى حوالي 2.9 مليون متقاعد مدني وعسكري، ليصل مجموع من يعتمدون على دفعات شهرية من الدولة إلى أكثر من 7.4 مليون شخص، أي ما يزيد على 40% من قوة العمل، وهي من أعلى النسب بين الدول المصدرة للنفط.
السعدي يحذر من أن "تضخم كتلة الرواتب بهذا الشكل يجعل أي اهتزاز في السيولة أو الإيرادات ضربة مباشرة لشريحة واسعة من المجتمع"، مشيرا إلى أن "المشهد الحالي لا يحتمل مزيدا من التوسع في التعيينات أو الالتزامات الدائمة من دون إصلاح حقيقي لبنية الإنفاق".
الاعتماد على النفط شبه كامل
الاقتصاد العام ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط؛ إذ تشكل إيرادات النفط حوالي 90% من إجمالي إيرادات الحكومة، فيما تبقى مساهمة الضرائب والرسوم والإيرادات غير النفطية محدودة جدا قياسا بحجم الموازنة.
وخلال الفترة بين 2022 و 2023، انخفضت إيرادات النفط بنحو 22% بفعل تراجع الأسعار وخفض الإنتاج في إطار اتفاقات "أوبك+"، إضافة إلى إيقاف تصدير نفط الشمال لفترات متقطعة، وهو ما يترجم سريعا إلى ضغط على الموازنة ثم على بند الرواتب والعجز.
وفي هذا السياق، يؤكد السعدي أن "الاعتماد الكامل تقريبا على النفط يجعل العراق معرضا لأي موجة هبوط في الأسعار أو اضطراب في التصدير"، لافتا إلى أن "استقرار الرواتب أصبح مرتبطا بشكل مباشر بحركة السوق العالمية، وهذا بحد ذاته مؤشر هشاشة خطير".
من فائض إلى عجز خلال سنتين
أمام هذا المسار، اتّخذت الحكومة خلال الأشهر الأخيرة حزمة قرارات وُصفت بأنها "تقشّفية" أو "شدّ أحزمة"، شملت، بحسب مصادر حكومية، إعادة النظر في الرواتب العليا ومخصّصات بعض الدرجات الخاصّة، وتقليص نفقات السفر والمؤتمرات، وتأجيل عدد من المشاريع الكبرى غير ذات الأولوية المباشرة، إضافة إلى تشديد الرقابة على الصرف في الوزارات والهيئات المستقلّة.
تظهر تقارير دولية أن الفائض المالي الذي سجله العراق في 2022، بحدود 8.9% من الناتج المحلي الإجمالي، تحوّل إلى عجز يقترب من 1.3% في 2023، بفعل زيادة الإنفاق بنحو 6.4% من الناتج خلال فترة قصيرة، مع توسع كبير في الرواتب والتقاعد والنفقات التشغيلية.
التوقعات نفسها تشير إلى أن العجز قد يتسع في 2024 إلى نحو 7.6% من الناتج إذا لم تُجرَ تعديلات حقيقية على مسار الإنفاق، وفي مقدمتها ضبط كتلة الأجور وإعادة توجيه الموارد من الجيب الجاري إلى الاستثمار والخدمات الأساسية.
وهنا يشير مراقبون إلى أن تحذيرات السعدي تتقاطع مع ما يردده صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، من أن الأولوية في الحالة العراقية هي "تجفيف" تضخم كتلة الرواتب والإنفاق الجاري، وإعادة هندسة الموازنة بما يقلل حساسيتها تجاه تقلبات أسعار النفط، ما يعني أن المشكلة، كما يصفها السعدي، "ليست مشكلة شهر أو شهرين في صرف الرواتب، بل مسار إنفاق غير قابل للاستمرار".
تضخم التعيينات في 2024 – 2025
إلى جانب ذلك، تكشف قراءات بحثية أن إنفاق الرواتب في 2024 وصل إلى نحو 60 تريليون دينار، مع تقديرات تفيد بأن أكثر من 1.1 مليون موظف جديد أضيفوا إلى كشوفات الرواتب خلال السنوات الأخيرة (خارج إقليم كردستان)، الأمر الذي رفع كتلة الأجور بشكل حاد.
هذا التوسع المتسارع في التعيينات، الذي ترافق في كثير من الأحيان مع استحقاقات سياسية وانتخابية، يفتح الباب أمام الربط بين الملف المالي واستحقاق انتخابات 2025؛ إذ ينظر إلى الوظيفة الحكومية، وفقا لاقتصاديين، في أوقات عديدة بوصفها "أداة تهدئة سياسية وضمان ولاءات"، أكثر من كونها استجابة لاحتياج إداري واقتصادي حقيقي داخل مؤسسات الدولة.
السعدي يلفت في حديثه إلى أن "استمرار التوسع في التعيينات من دون غطاء مالي مستدام يعني تعميق المشكلة بدلا من حلها"، مضيفا أن "كل وظيفة جديدة غير مدروسة اليوم قد تتحول إلى عبء إضافي على الموازنة في السنوات المقبلة".
من تحذير محلي إلى "إنذار مبكر" دولي
تحذيرات رشيد السعدي تتقاطع مع تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين حذرا في تقارير حديثة من أن توسع الإنفاق الجاري، وعلى رأسه الأجور والتقاعد، حوّل الفائض المالي الذي سجله العراق في 2022 إلى عجز متسارع ابتداء من 2023، مع توقعات باتساع هذا العجز في السنوات المقبلة إذا لم تُضبط كتلة الرواتب ويُعاد توجيه الإنفاق نحو الاستثمار والخدمات الأساسية.
وبهذا، لا تبدو ملاحظات السعدي مجرد رأي فردي، بل جزءا من صورة أوسع ترسمها المؤسسات الدولية حول هشاشة النموذج المالي القائم على موازنة مثقلة بالرواتب، مقابل قدرة محدودة على بناء قاعدة إنتاجية وإيرادات مستقرة. السعدي نفسه يؤكد أن "القرارات الأخيرة للحكومة، مهما كانت أهميتها، ستبقى محدودة الأثر إذا لم تُربط برؤية واضحة لإعادة هيكلة الإنفاق على مدى عدة سنوات".
"راتب مقابل استقرار".. شبكة أمان سياسية واجتماعية
الأرقام التي تظهر أن أكثر من 7.4 مليون شخص يعتمدون على الرواتب والتقاعد كدخل شهري، تعني عمليا أن الدولة تدير أكبر شبكة أمان اجتماعي–سياسي في البلاد عبر كشف الرواتب. أي حكومة تفكر في المساس بهذه الشبكة، سواء عبر التخفيض أو التأجيل، تواجه كلفة سياسية واجتماعية عالية.
وبحسب تقديرات بحثية حديثة، باتت الرواتب والتقاعد والإعانات النقدية تمثل أكبر كتلة نقدية تتحرك شهريا في السوق العراقية، ما يجعل أي اضطراب فيها قادرا على إحداث هزة واسعة في الطلب الداخلي، وسلسلة ردود فعل في الإيجارات والأسعار والديون العائلية.
السعدي يحذر من أن "تأخير دفع الرواتب أو تخفيضها لم يعد مجرد احتمال فني في الجداول المالية، بل سيناريو له كلفة اجتماعية عالية"، مشددا على أن "حماية الاستقرار الاجتماعي تتطلب أن يتحمل أصحاب الامتيازات والشرائح الأعلى في السلم الوظيفي جزءا أكبر من كلفة الإصلاح، بدلا من نقل عبء التقشف إلى الموظف البسيط".
تقاطع أزمة الرواتب مع مسار سافايا والعقوبات والدولار
في الخلفية، يتقاطع الملف المالي الداخلي مع مسار آخر لا يقل حساسية، يتعلق بالتشدد الأمريكي في ملف الامتثال المصرفي والتحويلات بالدولار، والحديث عن عقوبات محتملة على مصارف وشركات عراقية في إطار ما يصفه مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق، مارك سافايا، بملاحقة "الجهات الخبيثة" في النظام المالي.
أي تشدد إضافي في التحويلات أو استهداف لمؤسسات مالية عراقية سيزيد كلفة تمويل التجارة والاستيراد، ويضغط على سعر الصرف، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، خاصة الغذاء والدواء والمواد الأساسية. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة عالية على الاستيراد، ومع مجتمع يعتمد على الرواتب الحكومية كمورد رئيسي، تتحول أي هزة في الدولار أو في التدفقات المالية إلى خطر مضاعف: راتب مهدد من جهة، وقدرة شرائية متآكلة من جهة أخرى.
ويرى اقتصاديون أن أي مسار عقوبات أو تشدد مالي جديد "سيضاعف من حساسية ملف الرواتب الذي يتحدث عنه السعدي"، لأن ارتفاع كلفة الاستيراد وتشديد شروط التمويل الخارجي سينعكسان على الأسعار وسعر الصرف، "في وقت تمثل فيه الرواتب المصدر الرئيسي لدخل شرائح واسعة من المجتمع، ما يجعل أي اهتزاز في هذا الملف عنوانا مباشرا للاحتقان الاجتماعي".
"الخيار الصعب".. من تتحمله مقصات التقشف؟
عندما يتحدث السعدي عن "ضبط الرواتب العليا" و"القرارات التقشفية"، يبرز سؤال جوهري حول اتجاه المقص في المرحلة المقبلة: هل ستذهب المعالجات إلى الرواتب والامتيازات العليا والدرجات الخاصة والرواتب المتعددة وشبكات الوظائف السياسية، أم سيقع العبء مرة أخرى على الموظف المتوسط والصغير عبر تقليص العلاوات والتخصيصات وتأخير الصرف؟
في الوقت الذي يتفق فيه الخبراء الدوليون على ضرورة خفض كتلة الأجور كنسبة من الناتج المحلي، تبقى طبيعة توزيع كلفة هذا الخفض هي النقطة الفارقة بين مسار إصلاح مالي حقيقي، ومسار تقشف يعيد إنتاج الاختلال نفسه على حساب الفئات الأضعف.
السعدي يؤكد في ختام حديثه لـ"بغداد اليوم" أن "المرحلة المقبلة ستكون اختبارا جديا لإرادة الإصلاح"، مضيفا أن "الخيارات المطروحة اليوم لا تتعلق فقط بكيفية سد العجز، بل بمن يتحمل كلفة ذلك، وهل ستتجه الدولة إلى مواجهة مصادر الهدر والامتيازات الكبيرة، أم تذهب مرة أخرى إلى الطريق الأسهل بتحميل الموظف والمواطن البسيط ثمن السياسات الخاطئة التي تراكمت لسنوات".
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم



